There are no translations available.

رمضان مبارك كريم تقبل الله طاعاتكم وكل عام وأنتم بخير

RAMADAN KARIM

Tewfiq EL MALIKI

 


There are no translations available.

camping 2011 pour musulmans

ولادة سيدنا عيسى المسيح عليه السلام

 

 

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونشكره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضدَ ولا ندَّ له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه،  صلى الله وسلم عليه وعلى كل رسول أرسله.

أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليّ القدير القائل في محكم كتابه :{إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين . ويكلّم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين} ءال عمران 45- 46 .

إخوة الإيمان، يطيب لنا اليوم أن نتكلم عن نبي كريم زاهد خلقه الله تعالى من غير أبٍ فقد جاء في القرءان العظيم: {إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} ءال عمران 59.

وأمه مريم التي وصفها الله تعالى في القرءان الكريم بالصدّيقة والتي نَشَأت نَشْأة طُهر وعفاف وتربّت على التقوى تؤدّي الواجبات وتكثر من نوافل الطاعات والتي بشّرتها الملائكة باصطفاء الله تعالى لها من بين سائر النساء وبتطهيرها من الأدناس والرذائل .

{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاكِ وطهّركِ واصطفاكِ على نساء العالمين} ءال عمران 42.

وذات يوم خرجت مريم الصدّيقة من محرابها الذي كانت تعبد الله تعالى فيه فأرسل الله إليها جبريل عليه السلام متشكّلاً بشكل شابٍّ أبيضَ الوجه.

وللملاحظة إخوة الإيمان ، الملائكة ليسوا ذكورًا ولا إناثًا إنما يتشكّلون بهيئة الذكر من دون ءالة الذكورية ولا يأكلون ولا يشربون لا يتناكحون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

مريم لَمّا رأت جبريل عليه السلام متشكّلاً في صورة شابٍّ أبيض الوجه لم تعرفه ففزعت منه واضطربت وخافت على نفسها منه وقالت ما أخبر الله به: {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًا} سورة مريم/18. أي إن كنت تقيا مطيعًا فلا تتعرض لي بسوء.

فقال لها إن الله أرسله إليها ليهبها ولدًا صالحًا طاهرًا من الذنوب. فقالت مريم: أنى يكون لي غلام ولم يقربني زوج ولم أكن فاجرة زانية؟ فأجابها جبريل عليه السلام عن تعجّبها بأنّ خَلْقَ ولد من غير أبٍ سهلٌ هيِّنٌ على الله تعالى، وجعله علامة للناس ودليلاً على كمال قدرته سبحانه وتعالى وليجعله رحمة ونعمة لمن ابتعه وصدّقه وءامن به .

يقول رب العزّة في القرءان العظيم: {فحملته فانتبذت به مكانًا قصيًّا. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيًا منسيًّا. فناداها من تحتها ألاّ تحزني قد جعل ربُّك تحتكِ سريًّا. وهُزِّي إليكِ بجذع النخلةِ تساقطْ عليكِ رُطبًا جنيّا. فكلي واشربي وَقَرِّي عينًا فإمّا تَرَينَّ من البشر أحدًا فقولي إني نذرت للرحمن صومًا فلن أكلّم اليوم إنْسِيّا} سورة مريم 22-23-24-25-26.

نفخ جبريل عليه السلام في جيب درعها فحملت بعيسى عليه السلام ثم تنحت بحملها بعيدًا خوف أن يعيّرها الناس بولادتها من غير زوج، ثم ألجأها وجع الولادة إلى ساق نخلة يابسة وتمنّت الموت خوفًا من أذى الناس ، وناداها جبريل عليه السلام من مكان من تحتها من أسفل الجبل يطمئنها ويخبرها أنّ الله تبارك وتعالى جعل تحتها نهرًا صغيرا ويطلب منها أن تهزّ جذع النخلة ليتساقط عليها الرطب الجنيّ الطريّ وأن تأكل وتشرب مما رزقها الله وأن تقرّ عينها وأن تقول لمن رءاها وسألها عن ولدها إني نذرت للرحمن أن لا أكلّم أحدًا .

أتت السيدة مريم عليها السلام قومها تحمل مولودها عيسى عليه السلام على يدها في بيت لحم. {فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئًا فريا} مريم/27 .

قالوا لها: لقد فعلتِ فعلة منكرة عظيمة، ظنوا بها السوء وصاروا يوبخونها ويؤذونها وهي ساكتة لا تجيب لأنها أخبرتهم أنها نذرت للرحمن صومًا، ولما ضاق بها الحال أشارت إلى عيسى عليه السلام. عندها قالوا لها ما أخبر الله به بقوله: {فأشارت إليه قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيّا} مريم/29 .

عند ذلك أنطق الله تعالى بقدرته سيّدنا عيسى وكان رضيعًا. {قال إني عبد الله ءاتاني الكتاب وجعلني نبيّا وجعلني مباركًا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًّا} مريم 30-31. اعتراف بالعبودية لله العزيز القهار، هذا أول ما نطق به عليه السلام وهو في المهد قال: {إني عبد الله} وقوله: {وجعلني مباركًا} أي جعلني نفاعًا معلّمًا للخير حيثما توجهت.

إخوة الإيمان، يقول الله تعالى في القرءان العظيم: {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدّقًا لِما بين يدي من التوراة ومبشّرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلَمّا جاءهم بالبيّنات قالوا هذا سحر مبين} سورة الصف/6 .

إخوة الإيمان دعا عيسى عليه السلام قومه إلى عبادة الله وحده وعدم الإشراك به شيئًا ولكنهم كذّبوه وحسدوه وقالوا عنه ساحر ولم يؤمن به إلا القليل فعيسى عليه السلام نبي ورسول جاء بدين الحق و الهدى دين الإسلام العظيم الذي جاء به كل الأنبياء من أدم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد قال سيّدنا محمّد عليه الصلاة والسلام "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله وأنّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ( أي بشارته ) وروح منه ( أي أنّ روح سيّدنا عيسى بخلق الله تعالى وهي مشرّفة عند الله ) والجنّة حقّ والنار حقّ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل".

اللهم ثبّتنا على دين الإسلام العظيم وأدخلنا الجنة مع الأولين الأبرار يا ربَّ العالمين. هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.

الخطبة الثانية:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى كل رسول أرسله.

 

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ  ]إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا[ اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدَنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ  على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ]يا أيها الناس اتقـوا ربكـم إنّ زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد[، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون .اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

الشتاء بستان الطاعة وميدان العبادة الشتاء ربيع المؤمن

 

الحمدُ للهِ الواحدِ القهارِ، العزيزِ الغفارِ، مكوِّرِ الليلِ على النهارِ، تبصرة لأولي القلوب والأبصار، أحمده سبحانه "رب المشرقين ورب المغربين"، الحمدُ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونشكرُه ونستغفرُه ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِنْ سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهدِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومَنْ يُضللْ فلا هادِيَ لهُ.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا مثيل له، ولا ضد ولا ند له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وحبيبه صلى الله وسلم على سيدنا محمّد وعلى كل رسول أرسله.

أما بعد عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم القائل في كتابه الكريم: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } (سورة فصلت/30-31-32) .

إخوة الإيمان: الكيس من خاف ربه ودان نفسه وعمل لما بعد الموت، الذي لازم الشرع بأمر الظاهر والباطن، وحفظ قلبه من نسيان ذكر الله وبادر دائما بالسرعة للعمل الصالح من غير كسل ولا ملل.

وسيكون كلامنا في هذه الخطبة عن العبادة في الشتاء، والكلام عن الأمر يطول، فإذا اقبل الشتاء فخرجنا بغنيمة العابدين وربيع المؤمنين، كنا من الفائزين بإذن الله.

 

وقد روى الترمذي في سننه عن عامر بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء" .

وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: "ألا أدلكم على الغنيمة الباردة، قالوا: بلى، فيقول: الصيام في الشتاء".

ومعنى الغنيمة الباردة: أي السهلة، ولأن حرارة العطش لا تنال الصائم فيه.

وقال ابن رجب الحنبلي: "قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف".

 

 

وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "الشتاء غنيمة العابدين" رواه ابو نعيم بإسناد صحيح.

وأخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الشتاء ربيع المؤمن" ، وأخرجه البيهقي ، وزاد فيه: "طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه" .

فكيف يستغل المسلم ليل ونهار الشتاء؟

وإنما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح فيه في ميادين العبادات، وينَزه قلبه في بساتين الطاعات الميسرة فيه، فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة شديدة، ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش، فإن نهاره قصير بارد، فلا يحس فيه بمشقة كبيرة للصيام. وقد أكد الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك، وكانوا يعتنون بالشتاء ويرحبون بقدومه ويفرحون بذلك ويحثون الناس على اغتنامه.

فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "مرحبا بالشتاء، تنْزل فيه البركة ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام" .

ولله در الحسن البصري من قائل: "نِعْمَ زمانُ المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه".

وكان أحد الصالحين إذا جاء الشتاء يقول: "يا أهل القرءان، طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا".

فإذا لم نصم صيام داود، أفلا نصوم الاثنين والخميس ؟ وإذا لم نصم الاثنين والخميس، أفلا نصوم أيام البيض ؟ وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر قمري!.

أحبابنا الكرام: فرصة ذهبية للمشتغل الذي يبتغي الأجر من الله رب العالمين وغنيمة باردة له، ولمن عليه قضاء، أو من عليه كفارات فليغتنموا جميعًا هذه الغنيمة الباردة.

وأما قيام ليل الشتاء فلطوله، ففيه قد تأخذ النفس حظّها من النوم، ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة، فيقرأ المصلي ورده، وقد أخذت نفسه حظها المحتاجة إليه من النوم، مع إدراك ورده، فيكمل له مصلحة دينه وراحة بدنه. وقد جاء عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: "نِعْمَ نَدْمَانُ المؤمن الشتاء، ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه".

 

إن الشتاء أمره عجيب لمن تذوق فيه طعم العبادة، وقد ذكر الله تعالى من أوصاف أهل الجنة انهم {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} (الذاريات/17) .

الْهُجُوعُ : النومُ ليلاً .

وقد ورد أن معاذ بن جبل رضي الله عنه بكى عند مشهد الاحتضار، فقيل له: أتجزع من الموت وتبكي ؟! فقال: " مالي لا أبكي، ومن أحق بذلك مني ؟ والله ما أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على دنياكم، ولكني أبكي على ظمإٍ الهواجر وقيام ليل الشتاء " .

وليس هذا بغريب، فإنّ للعبادةِ لذّةً، من فقدها فهو محروم. قال عبد الله ابن وهب: "كل ملذوذ إنما له لذة واحدة، إلا العبادة فإن لها ثلاث لذات: إذا كنت فيها، واذا تذكرتها، وإذا أُعطِيتَ ثوابها".

وكان ابو هريرة رضي الله عنه يقسم ليله ثلاثة أقسام بين القيام والنوم وطلب العلم، وكان يقول: "جزّأت الليل ثلاثة أجزاء: ثلثا أصلي، وثلثا أنام، وثلثا اذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" .

وقد احسن من قال:

إذا كنت تأْذَى بحرّ المصيف
ويلهيك حسن زمان الربيع

 

ويبس الخريف وبرد الشتا
فأخذك للعلم قل لي متى

وإنما الأيام مراحل يقطعها المسلم مرحلة مرحلة، وأفضل الناس من أخذ من كل مرحلة زادًا للآخرة.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الهمة على الطاعة، ويرزقنا الاخلاص والقبول، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى إنه سميع مجيب.

هذَا وأستغفرُ اللهَ لي ولَكُمْ

الخطبة الثانية:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. عباد الله أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العلي العظيم.

 

 

 

لا شك إخوة الإيمان أن هناك فرائض يجب على المسلم البالغ أن يؤديها، لذلك احرصوا على أداء الفرائض، واحرصوا على حضور مجالس الخير مجالس العلم الشرعيّ التي تقام في مساجدنا ومصلياتنا. وأكثروا من اغتنام الفرص للطاعات، فوالله الواحد منا يرجو أن يكون من الناجين في الآخرة، وهو لا يقوى عن جمرة من جمرات الدنيا، فكيف يقوى على نار وقودها الناس والحجارة؟ اللهم أجرنا منها يا رب العالمين. فوقاية النفس والأهل من هذه النار تكون بأداء ما اوجب الله علينا واجتناب ما حرم.

واعلموا أن الله أمركم بأمر عظيم، أمركم بالصلاة والسلام على نبيه الكريم فقال: "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" اللهم صل على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما صليت على سيدنا ابراهيم وعلى ءال سيدنا ابراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما باركت على سيدنا ابراهيم وعلى ءال سيدنا ابراهيم انك حميد مجيد.

اللهم إنا دعوناك فاستجب لنا دعاءنا، فاغفر اللهم لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم استر عوراتنا وءامن روعاتنا واكفنا ما أهمنا وقنا شر ما نتخوف.

عباد الله، "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون" اذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه يزدكم، واستغفروه يغفر لكم واتقوه يجعل لكم من أمركم مخرجًا . وأقم الصلاة .

 

 

محَطّاتٌ مَعَ العاشرِ مِنَ المُحَرّمِ

 

إنّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ، نحمَدَهُ سبحانه وتعالى فإنّهُ لم يزلْ حليمًا غفورًا، ونشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ شهادةً نكونُ بِها بإذنِ اللهِ يومَ الحسابِ مِمّنْ ينقلبُ إلى أهلِهِ مسرورًا، ونشهدُ أنّ سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وحبيبُهُ ومصطفاهُ الذي انْجَلَتْ محاسِنُهُ شُموسًا وبُدورًا، صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ وعَلَى الّذينَ أظهرَ اللهُ بِهِم دينَهُ مِنَ الأنبياءِ وجزاهُمْ بِما صَبروا جزاءًا مَوْفُورًا.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ ، فإنِّي أوصيكُمْ ونَفْسِي بتقوَى اللهِ العليِّ القديرِ القائلِ في مُحكمِ كتابِهِ المعْجزةِ الكريمِ : { فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (سورة البقرة/37) .

إخوة الإيمان، إنّ يومَ العاشرِ مِنَ المُحَرّمِ أيْ يومَ عاشوراءَ مليءٌ بالخيراتِ والفضائلِ والحوادِثِ والصبرِ والدروسِ وهوَ مشهورٌ عندَ الأواخِرِ والأوائِلِ، في يومِ عاشوراءَ تابَ اللهُ على سيِّدِنا ءادمَ عليهِ السلامُ، وفي يومِ عاشوراءَ نَجّى اللهُ سيدَنا نوحًا عليهِ السلامُ وأنزَلَهُ مِنَ السفينةِ محفوفًا بالنصرِ ، وفي يومِ عاشوراءَ أنقذَ اللهُ سيدَنا ابراهيمَ عليهِ السلامُ منَ النمرودِ ، وفي يومِ عاشوراءَ رَدَّ اللهُ سيدَنا يوسُفَ على سيدِنا يعقوبَ عليهما السلامُ ، وفي عاشوراءَ أظهرَ اللهُ سيدَنا موسَى على فرعونَ الطاغيةِ الظالِمِ وفَلَقَ اللهُ لسيدِنا مُوسَى ولبَنِي إسرائيلَ البحْرَ ، وفيهِ أُخرِجَ سيدُنا يونُسُ عليهِ السلامُ منْ بطنِ الحوتِ وكُشِفَ ضُرُّ سيدِنا أيوبَ عليهِ السلامُ، وفيهِ حصلتْ غَزْوَةُ ذاتِ الرِّقاعِ، وفي يومِ عاشوراءَ في يومِ الجمُعَةِ في سَنَةِ إحدى وستينَ مِنَ الهجرةِ كانتِ الفاجعَةُ التي ألَمَّتْ بالمسلمينَ بِمَقْتَلِ سِبْطِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ، بِمَقْتَلِ أبي عبدِ اللهِ الحسينِ بنِ عليٍّ حفيدِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلّمَ ابنِ بِنْتِهِ فاطمةَ رضيَ اللهُ عنهما على أيدِي فئةٍ ظالِمَةٍ فماتَ الحسينُ شهيدًا وهوُ ابنُ ستٍّ وخمسينَ سَنَةً وهوَ الذي قالَ فيهَ جَدُّهُ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ وفي أخيهِ: "الحسَنُ والحسَيْنُ سيّدا شبابِ أهلِ الجنّةِ " رواهُ الترمذيُّ وأحمدُ والطبرانِيُّ .

وقالَ : "حُسَيْنٌ منّي وأنا مِنْ حُسَيْنٍ " أيْ محبّتي لهُ كاملةٌ ومحبّتُهُ لي كاملةٌ.

واليومَ إخوةَ الإيمانِ سنقِفُ بإذنِ اللهِ ربِّ العالمينَ عندَ محطّةٍ منْ محطّاتِ العاشرِ منَ المُحَرّمِ وهيَ توبةُ ءادمَ عليهِ السّلامُ لنتَعَلّمَ أحكامًا عديدةً منها: أنّ ءادمَ عصَى ربَّهُ بأكْلِهِ منَ الشجَرَةِ وكانَ ذلكَ قبلَ

 

 

أنْ تَنْزِلَ عليهِ النبُوّةُ والرسالةُ لأنهُ إنما نُبِّىءَ بعدَ أنْ خَرَجَ مِنَ الجنّةِ ، وهذهِ المعصيةُ ءادمُ تابَ منْها، يقولُ اللهُ تعالى : { وَعَصَى ءادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى } (سورة طه/121-122) .

ولا تُعَدُّ تلكَ المعصيةُ معصيةً كبيرةً لأنّ اللهَ حَفِظَ الأنبياءَ منَ الوقوعِ في الكفرِ وفي المعاصي الكبيرةِ وفي المعاصي الصغيرةِ التي فيها خِسَّةٌ ودناءةٌ ، فهذهِ المعصيةُ التي وَقَعَ فيها ءادمُ عليهِ السلامُ ليستْ كفرًا ولا كبيرةً ولا صغيرةً فيها خِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ .

يقول الله تعالى : { فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } (سورة البقرة/37) .

{ فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } الآيةَ . ورُوِيَ عنْ مجاهدٍ قال الكلمات: "اللهمّ لا إلهَ إلا أنتَ سبحانَكَ وبِحمدِكَ ، ربِّ إني ظلمْتُ نفسي فاغْفِرْ لي إنكَ خيرُ الراحمينَ ، لا إلهَ إلا أنتَ سبحانَكَ وبِحمدِكَ ، ربِّ إنِّـي ظلَمتُ نفسي فتُبْ عَلَيّ إنّكَ أنتَ التوّابُ الرّحيمُ " .

{ فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } . أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها .فيا أخِي المسلمُ إنْ أسْرَفْتَ على نفْسِكَ بالذنوبِ والمعاصي سارِعْ إلى التوبَةِ  وخذِ العِبَرَ مِمّا حصَلَ في عاشوراءَ وتذكَّرْ توبةَ ءادمَ وتذكَّرِ الكلماتِ التي قالَها ءادمُ عليهِ السّلامُ وتَفَكّرْ بِمعاني الكلماتِ التي قالَها ءادمُ عليهِ السّلامُ ، قالَ : " لا إلهَ إلا أنْتَ سبحانَكَ وبِحمْدِكَ " . نَفَى الألوهيةَ عمّا سِوى اللهِ وأثبَتَها للهِ وحدَهُ ، قالَ: " لا إلهَ إلا أنتَ " .

ثُمّ نَزّهَ ربَّهُ عنِ الشبيهِ والمثيلِ والمكانِ وصفاتِ الْخَلْقِ قالَ : "سُبحانَكَ وبِحَمْدِكَ " حَمَدَ ربّهُ على ما أنْعَمَ عليهِ مِنَ النعَمِ .

ثُمّ أَقَرّ بِما حَصَلَ منهُ " ربِّ إنـي ظلمْتُ نفسِي " .

ثم تذلّلَ للهِ نِهايةَ التذَلّلِ طالبَا المغفرةَ مِنَ اللهِ سبحانَهُ وتعالى " ربِّ إنّي ظلمتُ نفسِي فاغفِرْ لي إنّكَ خيرُ الراحمينَ ، ربِّ إنّي ظلمتُ نفسي فَتُبْ عليّ إنكَ أنتَ التوّابُ الرحيمُ " .

وروى البيهقيُّ بإسنادِهِ عنْ عُمَرَ بنِ الخطّابِ رضيَ اللهُ عنهُ أنهُ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ : " لَمّا اقترفَ ءادمُ الخطيئةَ قالَ "يا ربِّ أسألُكَ بِحَقِّ محمّدٍ إلا مَا غَفَرْتَ لِي فقالَ اللهُ

 

 

(وهو أعلم لا شك بما سيجيب سيّدنا ءادم عليه السلام ) فقالَ اللهُ فكيفَ عَرَفْتَ محمّدًا ولَمْ أخْلُقْهُ بعدُ ؟ فقال: يا ربُّ لأنّكَ لَمّا خَلَقْتَني بِيَدِكَ (أي بعنايتك) ونَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ (أي الروح المشرفة عندك أي أمرتَ الملَكَ أن ينفخَ فيَّ الروحَ ،) قال: رفعتُ رأسي فرأيْتُ على قوائِمِ العرْشِ مكتوبًا لا إلهَ إلا اللهُ محمّدٌ رسولُ اللهِ فعَلِمْتُ أنكَ لَمْ تُضِفْ إلى اسْمِكَ إلا أحَبَّ الْخَلْقِ إليْكَ " .

ولْيُعْلَمْ أنّه ليسَ معنى قولِهِ بيدِكَ أنّ اللهَ موْصوفٌ بالجارِحَةِ كالإنسانِ إِنّما الله مُنَزّهٌ عنِ الجسْمِ وعنْ صفاتِ الجسمِ .

ولْيُعْلَمْ أيضًا أنّ نبيّ الله ءادمَ عليهِ السلامُ لهُ فضلٌ كبيرٌ على البَشَرِ لِما لَهُ عليهِمْ مِنْ حقِّ الأبُوّةِ وتعليمِ أصولِ المعيشةِ ، فلا يجوزُ تنقيصُهُ ، فمنْ نَقّصَهُ أوْ أنْكَرَ نبوّتَهُ أو رسالتَهُ فهوَ كافرٌ والعياذُ باللهِ ولأنه نبي ورسول، فلوْ كانَ الأمرُ كما ظَنّ بعضُ الناسِ أنّ ءادمَ لَمْ يكنْ رسولاً لساوى البشرُ البهائِمَ ولكانتْ ذرِّيتُهُ في زمانِهِ كانوا تعيش كالبهائِمِ بلا شريعةٍ والعياذُ باللهِ ، كيفَ عَرَفُوا بِجوازِ أنْ يتزَوّجَ الأخُ منْ أختِهِ منَ البطنِ الثاني ؟ أليسَ بالشّرْعِ الذي نَزَلَ على ءادمَ ؟ بلى، فحَوّاءُ عليها السلامُ كانتْ تلدُ في كلِّ بطنٍ ذكرًا وأنثى فكانَ يجوزُ للأخِ أنْ يتزَوّجَ منْ أختِهِ منَ البطنِ الثاني لأجلِ كَثْرَةِ التناسُلِ، أمّا مِنْ نفسِ البطنِ فلا يجوزُ فكيفَ عُرِفَ هذا ؟ أليسَ بالشريعةِ التي أُنْزِلَتْ على ءادَمَ ؟ بلَى .

واللهُ تعالى جعَلَ ءادمَ جميلَ الشكلِ والصورةِ وَحَسَنَ الصوتِ لأنّ جميعَ أنبياءِ اللهِ كانوا على صورةٍ جميلةٍ وشكلٍ حَسَنٍ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَى اللهُ عليهِ وسلّمَ: "ما بعثَ اللهُ نبيًا إلا حَسَنَ الوجْهِ حَسَنَ الصوتِ وإنّ نبِيَّكُمْ أحسَنُهُمْ وجهًا وأحسنُهُمْ صوتًا " .

ونذكِّرُكُم إخوة الإيمان بسُنِّيَّةِ صيامِ يومِ عاشوراءَ لِما ورَدَ عنْ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ في ذلكَ مِنْ أنّهُ صامَهُ وأمرَ بصيامِهِ وقال: " لئنْ عِشْتُ إلى قابلٍ لأصومَنّ التاسعَ " أيْ معَ العاشِرِ .

اللهمّ أمِدّنا بأمدادِهِمْ وانفعْنا بِبَرَكاتِهِمْ واحشُرْنا تحتَ لواءِ سيّدِ الأنبياءِ وأفضلِ الأنبياءِ سيِّدِنا محمّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ .

هذا وأستغفر الله لي ولكم

 

 

الحذرُ مِنَ الاغتِرَارِ بِالدُّنيا

الخطبة الأولى:

إنَّ الحمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونَستغفِرُهُ ونَستَعينُهُ ونَستهدِيهِ ونَعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنفُسِنا ومِنْ سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومَنْ يُضللْ فلا هاديَ له وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لهُ جَلَّ رَبِّي لا يُشْبِهُ شَيْئًا ولا يُشْبِهُهُ شَىءٌ، ولا يَحُلُّ في شَىءٍ ولا يَنْحَلُّ منهُ شَىءٌ، ليسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُو السميعُ البَصِير. وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هاديًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا بَلَّغَ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونَصَحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنَّا خيرَ ما جزى نبيًّا مِنْ أنبيائِهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ وعلى كُلّ رسولٍ أرسلَهُ.

أمَّا بعدُ فيَا أيُّهَا المسلِمُونَ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وتزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ البقرة:281.

عبادَ اللهِ، عُنْوَانُ سَعَادَةِ الْمَرْءِ وَدَلائِلُ تَوْفِيقِهِ إِنَّمَا يَكُونُ في إِنَابَتِهِ لِرَبِّهِ واستِقَامَتِهِ عَلَى شَرْعِ اللهِ ودينِهِ في أيَّامِ حَيَاتِه، وعَلَى كُلِّ حَالاتِه، وإِقْبَالِهِ على طاعةِ اللهِ تعالَى بنِيَّةِ خَالِصَةٍ صَادِقَةٍ، وأنْ لا تَشْغَلَهُ الحياةُ الدُّنيا والسَّعْيُ في تَحْصِيلِ ما يُؤَمِّلُ مِنْهَا عَن الاستِعْدَادِ لِلْحَيَاةِ البَاقِيَةِ والتَّزَوُّدِ للدَّارِ الآخِرَةِ، فَذلِكَ سَبِيلُ الصَّالِحينَ، ونَهْجُ الْمُتَّقِينَ مِمَّنْ وَصَفَهُمُ اللهُ عَزَّ وجلَّ في مُحْكَمِ التَّنْـزِيلِ بِقَولِه: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَاء ٱلزَّكَـوٰةِ يَخَـٰفُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلاْبْصَـٰرُ﴾ النور:37.

فَإِنَّ هَؤُلاءِ الصَّالِحينَ عَلَى الرَّغْمِ مِنَ اشْتِغَالِهِمْ بِالبَيْعِ وَالشِّراءِ، وَمَا يَحْتَاجُونَ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيا، إِلاَّ أَنَّ ذلكَ لَمْ يَكُنْ حَائِلاً بينَهُمْ وبينَ استِحْضَارِ عَظَمَةِ اللهِ جَلَّ جَلالُه، استِحْضَارًا يَحْمِلُ عَلَى تَقْوَى اللهِ عَزَّ وجلَّ وخَشْيَتِهِ عَلَى الدَّوَام، وَهكَذَا شَأْنُ المؤمِنِ الكَامِل حَقًّا، يَغْتَنِمُ أَيَّامَ العُمُرِ وأَوْقَاتِ الحيَاةِ بِجَلائِلِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَيَبْتَغِي فيمَا ءاتَاهُ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ؛

لِعِلْمِهِ أَنَّ هذهِ الحيَاةَ الدُّنيا مَا هِيَ إِلاَّ وَسِيلَةٌ لِلْفَوْزِ بِالحيَاةِ البَاقِيَةِ والظَّفَرِ بِالسَّعَادَةِ الدَّائِمَةِ، لا أَنَّها غَايَةٌ تُبْتَغَى، وَلا نِهايَةٌ تُرْتَجَى، بَلْ إِنَّمَا هِي عَرَضٌ زَائِلٌ، وَظِلٌّ ءافِلٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا البَرُّ وَالفَاجِرُ، وَأَنَّهُ مَهْمَا طالَ فِيهَا العُمُرُ، وفُسِحَ فيهَا لِلْمَرْءِ الأَجَلُ، فَسُرْعَانَ مَا تَبْلَى، وَعَمَّا قَريبٍ تَفْنَى، وَلَيْسَ لَهَا عِنْدَ اللهِ شَأْنٌ وَلا اعْتِبَارٌ، وَإِنَّما هِيَ قَنْطَرَةٌ إلَى الْجَنَّةِ أَوِ النَّار، يقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ٱعْلَمُواْ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلأَمْوٰلِ وَٱلأَوْلـٰدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِى ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوٰنٌ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ الحديد:20.

وفِي الحدِيثِ عَنْ أبِي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: "إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ" رواهُ مسلمٌ في صَحيحِهِ. وعن سهلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضيَ اللهُ عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ" رواهُ التِّرمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وروَى الإمَامُ أحمدُ وغيرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا قالَ: "مَرَّ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ قَدْ أَلْقَاهَا أَهْلُهَا، فَقالَ: وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلدُّنيا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا".

وإنَّ في هذهِ النُّصُوصِ القُرْءَانِيَّةِ، والأحاديثِ النَّبَوِيَّةِ ـ يا عبادَ اللهِ ـ؛ لأَبْلَغُ بيانٍ وَأَوْضَحُ تَصْوِيرٍ لِحَقيقَةِ هذِهِ الحيَاةِ الدُّنيا، وَمَا يَجِبُ أَنْ يكونَ عليهِ حالُ الْمَرْءِ فيها مِنَ الإِقْبَالِ علَى طاعةِ اللهِ عزَّ وجلّ، والأخذِ بِالنَّفْسِ في دُرُوبِ الصَّلاحِ والتُّقَى، ومُجَانَبَةِ الشَّهَوَاتِ والْهَوَى، والحذَرِ مِنَ الاغتِرارِ بالدُّنيا، غيرَ أَنَّ مِنْ عَظِيمِ الأَسَفِ أَنْ يَظَلَّ الكثيرونَ فِي غَفْلَةٍ وتَعَامٍ عَنْ ذَلكَ؛ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِمْ طُولُ الأَمَلِ، وَرَانَ عَلَى قُلوبِهِمْ سُوءُ العَمَلِ، وَكَأَنَّ لا حَيَاةَ لَهُمْ إِلاَّ الحيَاةُ الدُّنيا. وإذا استولَى حُبُّ الدنيا على قَلْبِ الْمَرْءِ أَنْسَاهُ ذِكْرَ رَبِّهِ وطاعَتَهُ؛

وإذَا نسيَ المرءُ ذِكرَ ربِّهِ وطاعتَهُ أَنساهُ تعالَى نَفْسَهُ؛ حَتَّى يُورِدَهُ مَوَارِدَ العَطَبِ والهلاكِ، وقد قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بَيَانِ شُؤْمِ ذلكَ وَخَطَرِهِ علَى دينِ الْمَرْءِ: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ في غَنَمِ بِأَفْسَدَ لهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرءِ عَلَى الْمَالِ وَالشّرَفِ لِدِيِنِه" رواهُ التِّرمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورُوِيَ عن سيِّدِنا عيسَى عليهِ السَّلامُ أَنَّهُ قالَ: "حُبُّ الدُّنيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ"، وقالَ بعضُ السَّلفِ: "مَنْ أَحَبَّ الدِّرْهَم والدِّينَارَ فَلْيَتَهَيَّءْ لِلذُّلِّ".

وإنَّ مِنْ مَظَاهِرِ غَلَبَةِ حُبِّ الدُّنيا عَلَى القُلُوبِ، واستِيلائِهَا علَى النُّفُوسِ لدَى البَعْضِ، أَنْ لا يكونَ لَهُمْ هَمٌّ إِلاَّ البَحْثَ عَنِ الجاهِ العَرِيضِ، والشُّهرَةِ الواسِعَةِ، مِنْ غَيْرِ مُراعاةِ الدِّينِ والفَضِيلَةِ، وءَاخَرُونَ ليسَ لَهُمْ هَمٌّ سِوَى جَمعِ الأَمْوَال، وتضخيمِ الثَّرَوَاتِ؛ حَتَّى سَلَكُوا فيتَحْصِيلِ ذلكَ مَسْالِكَ مَشْبُوهَةً، وَسُبُلاً مُحَرَّمَةً. وقد رُوِيَ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَنَّهُ قَالَ في مَعْرِضِ التَّحذِيرِ مِنْ ذَلِكَ، وبيانُ عاقِبَتِهِ علَى صاحِبِهِ: "وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أولَى بِهِ" رواهُ الطَّبَرَانِيُّ وغيرُه.

وكَمْ مِن الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُسلِمَةِ ـ يا عِبَادَ اللهِ ـ مَنْ طَغَى عليهِمْ حُبُّ الدنيا؛ فَاسْتَجَابُوا لِدَاعِي الْهَوى، والنَّفْسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ والفَحْشَاءِ؛ حتَّى أدَّى بِهمْ ذلكَ إلَى تَرْكِ تَعَلُّمِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ الوَاجِبِ، وبعضُهُم أَدَّاهُ ذلكَ إلى شربِ الْمُسْكِرَاتِ، وتَعَاطِي الْمُخَدِّرَاتِ، واقتِرَافِ الفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ، يُساعِدُ علَى ذلكَ ويُذَكِّيهِ في نُفوسِهِم وَاقِعُ الإِعلامِ الْمُعَاصِر، وَمَا تَبُثُّهُ وَسَائِلُ الاتِّصالِ وكثِيرٌ مِنَ القَنَوَاتِ، مِمَّا فيهِ تَزْيِينٌ لِلْبَاطِلِ، وَإِغْرَاءٌ بِالفِتْنَةِ، وَخُروجٌ علَى القِيَمِ وَالفَضِيلَةِ؛ حَتَّى غَدَا كثيرٌ مِنَ المسلمينَ ـ ولا سِيَّما الناشئة ـ مُحَاكِينَ لما يُشَاهِدُونَهُ في كَثيرٍ مِنْ أَنْمَاطِ حَيَاتِهِم وَسُلوكِهِم، حَتَّى صَدَقَ عَلَى كَثِيرٍ مِنهُمْ قَولُ الحَقِّ سُبْحَانَهُ وتعالَى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ مريم:59. وما أَوْقَعَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلاَّ طُغيانُ حُبِّ الدُّنيا على نُفوسِهم حَتَّى ءَاثَرُوهَا علَى الآخِرَة.


وهذَا الدَّاءُ ـ يَا عِبادَ الله ـ هُوَ الّذِي أَوْدَى بِأُمَّةِ الإِسلامِ في عُصورِها الْمُتأَخِّرَةِ إلَى ما هِيَ عليهِ الآنَ مِنْ ضَعْفٍ وَهَوانٍ، وَتَفَرُّقٍ وَنِزَاعٍ؛ حتى استُحْوِذَ عَلَى كَثيرٍ مِنْ خَيراتِها، وأُلْحِقَ بِبَعْضِ الشعوبِ الْمُسْلِمَةِ أَصْنَافٌ مِنَ النَّكَالِ.

فَلْتَحْذَرُوا ـ عبادَ اللهِ ـ مِنَ التَّمَادِي فِي الغَفْلَةِ والإِعْرَاضِ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وإيثَارِ الحيَاةِ الدُّنيا علَى الآخِرَة، فَلَقَدْ ذمَّ الحقُّ سبحانَهُ وتعالَى الغَافِلِينَ المعرضِينَ عنِ الإيمانِ، ومَدَحَ الْمُتَّقِينَ الذِينَ جانَبُوا هَوَى النَّفْسِ، وعَمِلُوا لِلدَّارِ الآخِرَةِ، فقالَ سبحانَهُ مُبَيِّنًا حَالَ كُلِّ فَريقٍ وَجَزَاءَهُ: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَءاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ النازعات:37-41.

فاتَّقُوا اللهَ ـ عبادَ الله ـ ولا تَغُرَّنَّكُمُ الحيَاةُ الدنيا، ولا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغُرور، ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ فاطر:6.

هذا وأستغفرُ الله لي ولكم.

الخطبةُ الثانيةُ:

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الرّحمنِ الرّحيمِ مالِكِ يومِ الدِّينِ والصّلاةُ والسّلامُ على محمَّدٍ الأمينِ وَعَلَى ءالِهِ وَأَصْحَابِهِ الطّيبينَ الطّاهِرِينَ وأشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنَا مُحَمّدًا عبدُهُ ورَسُولُهُ صلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ رسولٍ أرسَلَهُ. أمّا بعْدُ عِبادَ اللهِ اتّقُوا اللهَ في السِّرِ والعَلَنِ، واعْلَمُوا أنَّ اللهَ أَمَرَكُم بأَمْرٍ عَظيمٍ، أَمَرَكُم بالصّلاةِ على نبيِّّهِ الكريمِ فَقَالَ: ﴿إنَّ اللهَ وملائِكَتَهُ يُصلُّونَ على النّبيِّ يا أيُّها الذينَ ءامَنُوا صَلّوا عَلَيْهِ وَسلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعلى ءالِ محمَّدٍ كما صلَّيْتَ على إبراهيمَ وعلى ءالِ إبراهيمَ إنّكَ حميدُ مجيدُ، اللّهُمَّ بارِكْ على محمَّدٍ وعلى ءالِ محمَّدٍ كَمَا بَاركْتَ على إبراهيمَ وعلى ءالِ إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ. اللّهُمّ يا ربَّنا إنّا دَعَوْناكَ فاستجِبْ لَنَا دُعاءَنَا فاغفِرِ اللّهُمَّ لنا ذُنُوبَنَا وإسْرَافَنَا في أمْرِنَا وَكَفِّرْ عنّا سيّئاتِنَا وَتَوَفَّنَا بِرَحمتِكَ مُؤمنينَ يا ربَّ العالمينَ. اللّهُمَّ نَقِّنَا مِنَ الذُّنوبِ والخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبيَضُ مِنَ الدّنَسِ يا ربَّ

العالمينَ، اللّهُمّ عَلِّمْنَا ما جَهِلْنَا وذَكِّرْنَا ما نَسِينَا واجعَلِ القُرءانَ ربيعَ قُلُوبِنَا ونُورًا لأبْصارِنَا وَجَوَارِحِنَا وَتَوَفَّنَا على هَدْيِهِ وأكْرِمْنَا بِحِفْظِهِ واحْفَظْنَا بِبَرَكَتِهِ وَبَرَكَةِ نَبيِّكَ مُحمَّدٍ عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ واغفِرِ اللّهُمَ للمُؤمنينَ والمؤمناتِ الأحْياءِ مِنهُم والأمواتِ إنّكَ سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدّعواتِ، عِبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمُرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى ويَنْهى عنِ الفَحْشاءِ والمُنكَرِ والبغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُم تَذَكّرُونَ، اذكُرُوا اللهَ العظيمَ يَذْكُرْكُمْ واشكُرُوهُ يَزِدْكُمْ واسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ واتّقُوهُ يَجْعَلْ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مَخْرَجًا وَأَقِمِ الصّلاةَ.

 

 

There are no translations available.

 

الهجرة النبوية المباركة

 

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه ونسترشده ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه من بعثه الله رحمة للعالمين هاديًا ومبشرًا ونذيرا بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيًا من أنبيائه، الصلاة والسلام عليك سيدي يا علم الهدى الصلاة والسلام عليك سيدي يا رسول الله سيدي يا حبيب الله ضاقت حيلتنا وأنت وسيلتنا أدركنا يا محمد أدركنا يا أبا القاسم يا رسول الله أدركنا بإذن الله .

أما بعـد فيا عباد الله أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العلي العظيم واستفتح بالذي هو خير، يقول الله تعالى في كتابه العظيم :" إِلا تنصُروهُ فقدْ نصرَهُ اللهُ إِذْ أَخرجَهُ الذينَ كَفَروا ثانيَ اثنينِ إِذْ هُمَا في الغَارِ إِذْ يقولُ لصاحبِهِ لا تحزَنْ إِنَّ اللهَ معَنا فأنزلَ اللهُ سكينتَهُ عليهِ وأيَّدَهُ بجنودٍ لمْ تَرَوْهَا وجَعَلَ كلمةَ الذينَ كفَروا السُّفلى وكلمةَ اللهِ هيَ العُليَا واللهُ عزيزٌ حكيمٌ " سورة التوبة/40

الهجرة النبوية أيها الإخوة لم تكن هروبًا من قتال ولا جبنًا عن مواجهة ولا تخاذلاً عن إحقاق حق أو إبطال باطل ولكن هجرة بأمر الله تعالى أعد فيها النبي القائد صلوات ربي وسلامه عليها العدة وهيأ الجند وعاد بهم إلى مكة فاتحًا ، أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأوذي أصحابه الكرام في مكة وصبر ءال ياسر في سبيل الله ، ورسول الله هاجر بالدعوة إلى الله فلم يكن يخفي شيئًا منها بل كان يدور في المواسم التي يجتمع فيها الناس ويقول لهم :"      أيهـا النـاس قولـوا لا إلـه إلا الله تفلحوا " وصبر صلى الله عليه وسلم على إيذاء المشركين من أهل مكة ، وانصب العذاب على المستضعفين صبا جلد وضرب وحبس وتحريق وقتل ، ولكن أدركهم المدد الرباني والتثبيت الإلـهي فكأنهم صخرة لا تخدش  وصارت نبضات قلوبهم الخاشعة وهمسات أدعيتهم الضارعة تهز الأفئدة والعروش ، أليس ردد بلال الحبشي أحد أحد ، أحد أحد ؟لم يتراجع ولم ينفتن .

فكم نحن بحاجة اليوم إلى أن نتطلع إلى مواقف هؤلاء الرجال الرجال ، وهذا عمر رضي الله عنه يقف في وضح النهار ممتشقًا سيفه قائلاً لصناديد قريش بصوت جهير :" يا معشر قريش من أراد منكم أن تفصل رأسه أو تثكله أمه أو تترمل امرأته أو ييتم ولده أو تذهب نفسه فليتبعني وراء هذا الوادي فإني مهاجر إلى يثرب " فما تجرأ أحد منهم أن يحول دونه ودون الهجرة ، وانظروا إلى موقف القائد العظيم محمد بعدما جاءوا إلى عمه أبي طالب يقولون له يا أبا طالب ماذا يريد ابن أخيك إن كان يريد جاها أعطيناه فلن نمض أمرا إلا بعد مشورته ، وإن كان يريد مالا جمعنا له حتى يصير أغنانا وإن كان يريد الملك توجناه علينا ولكن النبي صلى الله عليه وسلم  الذي يوحى إليه أجاب عمه بقوله :" لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بشمالي ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه " ليس في الأنبياء من يترك الدعوة إلى الله ،ليس في الأنبياء من يتخلى عن الدعوة إلى الله مهما اشتد عليه البلاء ليس في أنبياء الله من يعرض عن دين الله لشدة الإيذاء ، أجمع المشركون على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم  فجمعوا من كل قبيلة رجلا جلدا ليضربوه ضربة رجل واحد حتى يتفرق دمه بين القبائل ، فأتى جبريل عليه السلام وأخبره بكيد المشركين وأمره بأن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم  علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره أن يبيت على فراشه ويتسجى ببرد له أخضر ففعل، ثم خرج صلى الله عليه وسلم  وهم على بابه ومعه حفنة تراب فجعل يذرها على رؤوسهم وهو يقرأ :" يـس والقرءانِ الحكيمِ إنّكَ لمنَ المرسلينَ على صِراطٍ مستقيمٍ تنـزيلَ العزيزِ الرحيمِ لِتُنْذِرَ قومًا ما أُنذِرَ ءاباؤهُمْ فهُمْ غافلونَ لقدْ حَقَّ القولُ على أكثرِهِمْ فهُمْ لا يؤمنونَ إنَّا جعَلْنَا في أعناقهم أَغْلالاً فهيَ إِلى الأَذْقانِ فهُمْ مُقمَحونَ وجعَلْنَا مِنْ بينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فأَغْشَيْناهُمْ فهُمْ لا يُبْصِرونَ " سورة يـس 1ـ9وفي الطريق حصلت لرسول الله معجزات ببركة الهجرة حيث إن امرأة ممن سبقت رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ولدها معها في الطريق إلى المدينة أصابه مرض فمات فتملكها الجزع فقالت اللهم إنك تعلم أني ما هاجرت إلا ابتغاء مرضاتك ومحبة في نبيك فلا تشمت بي الأعداء فقام ولدها في الحال أحياه الله تعالى ، قالت فطعم وطعمنا ثم بقي حيا إلى خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه ، وقصة الطفيل بن عمرو الدوسي الذي كان معه صاحبه مرض على الطريق فلم يصبر على المرض فأخذ حديدة فقطع بها براجمه فنـزف الدم منه فمات ، فرءاه صاحبه في المنام مغطيا يديه قيل له مالي أراك مغطيًا يديك ، قال :" قيل لي لن نصلح لك ما أفسدت قد غفر الله لي بهجرتي إلى نبيه " فلما وصل إلى رسول الله أخبره ما رأى وما حصل لصاحبه فقال صلى الله عليه وسلم :" اللهم وليديه فاغفر " أيها الإخوة يقول الله تعالى في القرءان الكريم :" إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا" الآيةَ ، سورة التوبة/40 ،فهذا الصاحب هو الصدّيق رضي الله عنه وليس معناه أن الله موجود معهما في الغار ، بل المعية هنا معية النصرة أي الله تعالى هو الذي ينصرنا ويحمينا ، حمى الله تعالى حبيبه محمدا بأوهن البيوت وأوهن البيوت بيت العنكبوت وأرسل حمامة باضت على فم الغار فأعمى الله تعالى أبصار المشركين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أما المؤمنون فينتظرون في المدينة المنورة حبًّا وشوقًا وصولَ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ويتوافدون إلى مشارف المدينة من ناحية طريق مكة وبعضهم يتسلق الأشجار وينظر إلى بعد عله يرى أثرًا لقدم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، وذات يوم والناس في انتظار بلهف وشوق وقد انتصف النهار واشتد الحر توافدوا جماعة بعد جماعة وإذا برجل ينادي بأعلى صوته ها قد جاء من تنتظرون يا أهل المدينة وتكر الجموع عائدة لاستقبال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم  والحب يسبقها ولسان حالها يقول :

طلع البـدر علينـا              من ثنيـّات الوداع

اللهم أعد علينا هذه الذكرى العظيمة المباركة بالأمن والأمان يا رب العالمين.

 

هذا وأستغفر الله .

 

 

There are no translations available.

Cours d’arabe

pour adultes


organisés par le Conseil Islamique Suisse


Début des cours : début 2011


30 périodes pour 390.-

Avec différentes niveaux


Les samedis matins
Suivi de 20 minutes de
Qour’ân


Pour tout renseignement
contacter Mme
Rabia Rafik:

078/704.47.52

عنوان البريد الإلكترونى هذا محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تفعيل الجافا لتتمكن من رؤيته


تصافَوا الحُبَّ في الله - ومع شرح حديثِ:" دبَّ إليكُم داءُ الأُمَمِ قبلَكُم..."

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له. هو اللهُ الواحدُ الأحدُ الفردُ الصمدُ الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أي ليس له شبيهٌ ولا مثيل. هو الله الواحدُ الأحدُ الذي رفع السماءَ بلا عمدٍ وأنزل القرءانَ على سيدنا محمد، هو الله القادر على كل شيء ولا يعجزُه شيءٌ أبدا، هو الله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

وأشهد أنّ سيّدَنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمّدًا عبده ورسوله وصفيّه وحبيبه، من بعثه الله رحمة للعالمين هاديا ومبشرا ونذيرا، اللهم صلِّ على سيدنا محمد الداعي إلى الخير والرشاد، الداعي إلى التباذلِ والتناصح والتزاورِ والتحابِّ في الله. اللهم صل على سيدنا محمد سيّد الأنبياء والمرسلين وسلِّم عليه وعلى ءاله سلاما كثيرا.

 

أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليِّ القديرِ القائلِ في محكم كتابه: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] {الحجرات:10}

وقالَ عليه الصلاةُ والسلام :" لا تباغَضُوا ولا تحاسدُوا ولا تدابَرُوا وكُونُوا عبادَ اللهِ إِخوانا ".

 

إخوةَ الإسلام، يا إِخوَتِي في الله، إنَّ من أعظمِ ما يَكتَسِبُهُ الإنسانُ في الحياةِ الدُّنيا وأنفَعِهِ في الآخرةِ محبّةَ المُسلِمِ لأخيهِ المُسلِم، المحبّةَ التي فيها التّعاونُ على ما يُرضِي اللهَ، ليسَ المرادُ التّحابَّ على الهوى، فهذه المحبةُ التي فيها التعاونُ على ما يُرضي اللهَ يكونُ صاحبُها في ظلِّ العرشِ يومَ القيامةِ ذلكَ اليومَ الذي ليس فيه بيتٌ ولا جبلٌ ولا شجرٌ ولا كهفٌ إنما يُظِلُّ المؤمنَ في ذلك اليومِ عملُه الصالح. ومن جملة العملِ الصالحِ الذي يُظِلُّ صاحبَهُ في ذلك اليومِ التحابُّ في الله، محبةُ المسلمِ لأخيه في ما يُرضي اللهَ تباركَ وتعالى، هذه المحبةُ التي تجعلُ صاحبَها في الآخرةِ في ظلِ العرشِ لا يُصيبُه حرُّ شمسِ يومِ القيامة، حرُّ شمسِ يومِ القيامةِ أشدُّ بكثيرٍ من

 

حرِّها في الدُّنيا. اللهمَّ أَجِرْنا من حرِّها في ذلك اليومِ العظيمِ واجعلنا من المتحابِّينَ المتناصحينَ يا أرحمَ الراحمين.

ومن معاني التحابِّ في اللهِ أن يتعاونَ المسلمُ معَ أخيهِ على ما يُحبُّ اللهُ، ولا يَغُشَّ أحدُهُما الآخرَ أي لا يُزَيِّنُ له المعصيةَ ولا يغُشّه في المعاملةِ بل يبذُلُ له النُّصحَ، يُحِبُّ له ما يُحبُّ لِنَفْسِه، أي الخيرُ الذي يُحِبُّهُ لِنفسِه يُحِبُّهُ لأخيه، والشرُّ الذي يكرهُه لِنفسِه مما هو شرٌّ في شرعِ الله يكرَهُهُ لأخيهِ وهذا الأمرُ هو الكمالُ للمُسلِمِ، المُسلِمُ لا يكونُ مؤمنا كاملا أي في الدَّرَجةِ العُليا إلا إذا كان بهذه الصفةِ أي يحبُّ لأخيهِ ما يُحبُّ لنفسه من الخير.

 

واسمعوا معي جيِّدا كلامَ سيِّدِ الأولينَ والآخرين وحبيبِ ربِّ العالمينَ حيثُ قال:" دَبَّ إليكُم داءُ الأُمَمِ قبلَكُم الحسدُ والبغضاءُ هيَ الحالِقَةُ، حالِقَةُ الدِّينِ لا حالِقَةُ الشَّعَرِ، والذي نفسُ محمدٍ بيده لا تدخُلوا الجنّةَ حتى تُؤمِنُوا ولا تُؤمِنُوا حتى تحابُّوا أفلا أُنْبِؤُكُم بشىءٍ إذا فَعَلتُموهُ تحاببتُم أفشُوا السلامَ بينَكُم"( رواه أحمدُ والترمذيّ).

دبَّ إليكُم أي سارَ إليكم داءُ الأُممِ قبلَكم أي مرضُ القلوبِ الذي هو عادةُ الأممِ الماضيةِ الحسَدُ والبغضاءُ. هيَ الحالِقةُ حالِقَةُ الدِّينِ لا حالقةُ الشَّعَرِ- وحالقَةُ الدِّينِ هي الخَصلَةُ التي شأْنُها أن تُهلِكَ- وأرشدَنا صلى اللهُ عليهِ وسلم إلى ما يُزيلُ الضَّغائِنَ- أيِ الأحقادَ والعَداواتِ- ويورِثُ التّحابُبَ قال:" أفشُوا السلامَ بينَكم".

 

قال الله تعالى: {ومن شرِّ حاسدٍ إذا حَسَد} أي استجير باللهِ من شرّ الحاسد إذا أظهرَ حسَده.

وقد قيلَ الحسدُ أوّلُ معصية عُصِيَ اللهُ بها في الجنةِ أي حسدُ إبليس لنبي الله ءادم عليه السلام، وأوّل معصية عُصيَ بها في الأرض أي حسد قابيل هابيل ثم قَتْلُ قابيلَ لِهَابيل.

وروى البخاريُّ في صحيحه من حديث أنس بنِ مالِك رضي اللهُ عنه قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تباغضُوا ولا تحاسَدُوا ولا تَدابَروا وكُونوا عبادَ اللهِ إخوانًا، ولا يحلّ لمسلم أن يَهجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاث لَيالٍ يلتقيانِ يَصُدُّ هذا ويَصُدُّ هذا وخيرُهُما الذي يبدأ بالسَّلام".

 

 

وعن الأحْنَفِ بنِ قَيْس: خَمْسٌ هُنَّ كما أقولُ: لا راحةَ لحسود، ولا مُروءةَ لِكذوب، ولا وفاءَ لِمُلُوك، ولا حيلة لبخيل، ولا سُؤدُدَ لسيِّءِ الخُلق. وعن الخليلِ بنِ أحمد: ما رأيتُ ظالمًا أشْبه بمظلومٍ من حاسدٍ له نَفَسٌ دائمٌ، وعقلٌ هائمٌ، وحزنٌ لازمٌ.

وعن بِشْر بنِ الحارثِ الحافي: " العَداوةُ في القَرابَةِ، والحَسَدُ في الجيرانِ، والمنفعةُ في الإخوان " . ثم إن الله تبارك وتعالى قال في الحديثِ القدسِيِّ:" حَقَّت مَحبَّتِي لِلْمُتحابِّينَ فِيَّ، وحَقَّت مَحبَّتِي لِلْمُتناصحينَ فِيَّ، وحَقَّت مَحبَّتِي لِلْمُتواصِلينَ فِيَّ، وحَقَّت مَحبَّتِي لِلْمُتباذِلينَ فِيَّ ".

 

فَينبَغِي أن نتحلَّى بهذه الأوصافِ حتى نكونَ في الدارِ الآخرةِ على سُرُرٍ مُتقابِلينَ، فعلينا بالتّحابِّ والتّناصُحِ والتّزاوُرِ والتّباذُلِ ولا ينبَغِي أن يتَتَبَّعَ الواحدُ مِنا مساوِئ أخيهِ، فَطُوبى لمن شَغَلَهُ عيبُه عن عيوبِ الناسِ بل ينبَغِي أن يُسامِحَهُ إن أساءَ إليهِ وإن أحسنَ إليهِ أن يعاملَه بالإحسانِ، وعن أنسٍ رضيَ اللهُ عنهُ أن رَجُلا كانَ عندَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَمرَّ رجلٌ به فقال: يا رسولَ اللهِ إني لأُحِبُّ هذا، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَأَعْلَمْتَهُ؟ قال: لا، قال: أعلِمْهُ، فَلَحِقَهُ فقال: إني أُحِبُّكَ في الله، فقالَ: أَحبَّكَ اللهُ الذي أحببتَنِي لَهُ.( رواهُ أبو داودَ).

ومعنى هذا الدعاءِ إخوةَ الإيمانِ أي معنى أَحَبَّكَ اللهُ أي جَعَلَكَ خالِيًا من الذُّنوبِ.

 

ربِّ اغفِر لنا وارحمنا واجعلنا من المتحابِّينَ ابتغاءَ مرضاتكَ ومن المتزاورينَ المتباذلين واحشُرنا تحتَ ظلِّ العرشِ إنك يا ربَّنا على كلِّ شىءٍ قدير.

هذا وأستغفِرُ الله لي ولكُم

وأتبع السيئة الحسنة تمحها

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا كيف ولا شكل ولا صورة ولا هيئة ولا مكان له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدًا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمّة صلّى الله عليه وسلّم وعلى كلِّ رسول أرسله.

أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي القدير القائل في محكم كتابه:{ وأقِمِ الصلاة طَرَفَى النَّهارِ وَزُلَفًا من الليل إنَّ الحَسَنَتِ يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين. واصبر فإنّ الله لايضيِع أجر المحسنين }سورة هود ءاية 114-115 .

ويقول حبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه:"اتق الله حيثما كنت، واتبع السيِّئة الحسنة تمحُها وخالق الناس بخلقٍ حسن" رواه الترمذي

يا ابن ءادم ما أكلته تفنيه  ***  با ابن ءادم ما لبسته تبليه

يا ابن ءادم ما عملته تلاقيه *** يا ابن ءادم الرجوع إلى الله

 

حتم مقضي يا ابن ءادم فراق الأحبة، وعد مأتي، يا ابن ءادم الدنيا أوّلُها ضعف وفتور وءاخرها موت وقبور فاتق الله في السر والعلانية فالله لا تخفى عليه خافية، اتق الله في مالك، اتق الله في عملك، اتق الله في زوجتك في أولادك في أهلك في أحامك، اتق الله وأنت بين الناس، وأنت في غيبتك عن أعين الناس .

{إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير} الملك 12

إن الذين يخشون ربهم بالغيب أي وهم في غيبتهم عن أعين الناس لهم مغفرة وأجر كبير، والله تعالى يحب الأتقياء الأخفياء الذين يخفون أعمالهم الصالحة الحميدة التي يعملونها قربة لله، فاتق الله أخي المؤمن حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، فمن عظيم فضل الله تعالى علينا أن جعل الحسنات تضاعف للمؤمن، فكل حسنة يعملها العبد مخلصًا لله تعالى في نيته لا يشرك فيها أحدًا غير الله، أي لا يطلب بهذه الحسنة محمدة الناس ولا أن ينظروا إليه بعين الإجلال والإكرام وكانت موافقة لما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلم تكتب بعشر أمثالها وقد تضاعف إلى أكثر من ذلك، ومن عظيم فضل الله تعالى أن جعل الحسنة الواحدة تذهب عددًا من السيئات، ومن الحسنات ما ترفع عشر درجات لصاحبها وتمحو عشر سيئات لصاحبها، يقول الله تعالى:{إن الحسنات يذهبن السيئات}.

ويقول النبيّ صلى الله عليه وسلم:" أيعجز أحدكم أن يكسب في اليوم ألف حسنة يسبح الله تعالى مائة تسبيحة فيكتب له بهن ألف حسنة ويمحى عنه بهن ألف خطيئة" .

هذا أقلّ ما يكون، وتمحوا الحسنة الواحدة أكثر من ذلك من السيئات، فكل عمل يعمله العبد المسلم لله مخلصًا في نيته فإنّ له بكلِّ حسنة عشر أمثالها هذا أقلّ ما يكتب للعبد المسلم ثم يضاعف الله تعالى الحسنة الواحدة لمن يشاء إلى سبعمائة ضعف ويزيد من شاء على ذلك إلى أضعاف كثيرة، قد تكتب الحسنة الواحدة بمائة ألف حسنة، وقد تكتب بألف ألف على حسب حسن عمل الشخص وقوة يقينه وصدق نيته. من هنا قال عليه الصلاة والسلام:"سبق درهم مائة ألف درهم، قيل كيف ذلك يارسول الله؟قال: رجل تصدق بمائة ألف من عرض ماله ورجل ليس له إلا درهمان تصدق بأحدهما" .

فمعنى كلام المصطفى صلّى الله عليه وسلّم أنّ هذا الذي يملك درهمين فقط فتصدق بأحدهما لوجه الله تعالى دليل على صدق نيته وقوّة يقينه فبذلك زاد أجر هذا الدرهم الواحد على أجر مائة ألف درهم يتصدق بها الرجل الموسر الغني من عرض ماله أي يكون المائة ألف بالنسبة إلى كثرة ماله قليلا من كثير، فهذا الذي تصدق بدرهم واحد زاد عليه بقوة اليقين لأنه لولا قوة اليقين لا يتصدّق بنصف ما يملكه، لولا قوة يقينه بالله واليوم الآخر والثواب من الله تعالى وإقبال قلبه على الآخرة فلذلك زاد هذا الدرهم على المائة ألف درهم، فقد تكتب الحسنة الواحدة بألف ألف على حسب حسن عمل الشخص وقوة يقينه وصدق نيته، وثبت بالاسناد الصحيح أن من قال"أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه يُغفر له وإن كان فرّ من الزحف" .

والفرار من الزحف من أكبر الكبائر، فإذا كان بهذه الكلمة من الاستغفار"أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأتوب إليه" يُمحى من الكبائر ما شاء الله تعالى فلا مانع من أن يمحى بالتسبيح ونحوه بعض الكبائر .

فهنيئًا لمن ثبت على الإسلام وأحسن نيته أخلص نيته لله تعالى ووافق في عمله شرع الله الذي جاء به نبيه المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وأدّى ما أوجب الله عليه واجتنب ما حرّم الله، فالله تعالى شكور وهو أكرم من أعطى فإنه يحشر الأتقياء وهم يركبون نوقًا لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل الذهب ولا يصيبهم أدنى خوف ولا أدنى فزع ولا يصيبهم ظمأ ولا جوع ولا أدنى نكد ويدخلون الجنة ويجدون هناك ما أحصى الله لهم من النعيم الذي لم يطلع عليه ملكًا ولا رآه خلق من خلق الله .

يارب إن عظمت ذنوبي كثرة *** فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن *** فبمن يلوذ ويستجير المجرم

أدعوك ربي كما أمرت تضرعًا *** فإذا رددت يد فمن ذا يرحم

مـالي إليك وسيلة إلا الرجا *** وجميل عفوك ثم إني مسلم

 

فاغفر لنا يا ربّ العالمين، هذا وأستغفر الله لي ولكم .

زيارة القبور والتبرك بالأنبياء

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه ونسترشده ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه من بعثه الله رحمة للعالمين هاديا ومبشرا ونذيرا بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا من أنبيائه، الصلاة والسلام عليك سيدي يا علم الهدى الصلاة والسلام عليك سيدي يا رسول الله سيدي يا حبيب الله ضاقت حيلتنا وأنت وسيلتنا أدركنا يا محمد أدركنا يا أبا القاسم يا رسول الله أدركنا بإذن الله .

أما بعد،

فيا عباد الله أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العلي العظيم

قال الله تعالى:"يا أيها الَّذِين. ءامنواْ اتُقواْ اللهَ وابتغواْ إِلَيهِ الْوسِيلَةَ"سورة المائدة/ 35

اعلموا أخوة الإسلام أنه جاء في شرح هذه الآية أن اطلبوا ما يقربكم إلى الله. فالصلاة والصيام والزكاة والحج وبر الوالدين ونوافل الطاعات كل منها وسيلة أي قربة إلى الله. ومن جملة ما يقرب إلى الله زيارة قبور الأنبياء وقبور الأولياء سواء كان للسلام عليهم أو للتبرك بزيارتهم. ومعنى التبرك هو طلب البركة من الله تعالى، فمن زار قبر أحد الأولياء بنية التبرك أي بنية أن يعطيه الله البركة فهذا يقرب إلى الله ولا يبعده من الله، ومن قال عن هذا أنه شرك فهو ضال، لا حجة له ولا برهان لا من حديث النبي ولا من القرءان. بل إن زيارة القبر سنة وفيها ثواب ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كنت نهيتكُم عن زِيارةِ الُقبورِ فَزوروها "رواه مسلم. وفي رواية " فَمن أراد أن يزور القبور فليزر فإنها تذكِّرنا الآخِرة".

 

النهي عن زيارة القبور قد نسخ

كان الرسول في بدء الأمر بوحي من الله قد نهى أصحابه عن زيارة القبور لحكمةٍ الله يعلمها ثم بوحي من الله رخص لهم في ذلك. ففي الوقت الذي نهاهم عن زيارة القبور كانت الحكمة تقتضي ترك زيارة القبور لأنهم كانوا قريبي عهد بالإسلام ولم يكن مضى عليهم زمان طويل منذ دخلوا في الإسلام. فكانت الحكمة في نهيهم عن زيارة القبور عظيمة لأن الوثنيين كانوا يذهبون إلى القبور

للإشراك بالله تعالى وكانوا يتفاخرون بمآثر آبائهم وأجدادهم على القبور، يذهبون الى القبور فينحرون إبلا ثم يتفاخرون كأن يقول أحدهم : " أنا جدي هذا الذي كان له كذا وكذا من المفاخر والمآثر". لهذا كانوا يذهبون لا للاعتبار بأحوال أهل القبور ولا ليستعدوا للآخرة بل كانوا يعتقدون أن الإنسان إذا مات وصار ترابا لا رجعة له، أي أنهم ما كانوا يؤمنون بالبعث بعد الموت.

 

استحباب زيارة القبور للرجال والنساء

ثم لما تمكن الإسلام في الناس جاءت الرخصة من الله تعالى بزيارة القبور فقال عليه الصلاة والسلام بعدما نزل الوحي بالرخصة :" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " رواه مسلم. وفي ذلك عبرة لأولي الأبصار وزيارة القبور مستحبة للذكور والإناث على السواء. ومن الأدلة الواضحة على استحباب زيارة القبور للنساء ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا تقول عند زيارة القبور فعّلمها أن تقول :" السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ورحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون " رواه مسلم. فلو كانت زيارة القبور غير مشروعة للنساء لقال لها " انتن معاشر النساء منهيات عن زيارة القبور"، ولكنه علمها ما تقوله. وإن الأحاديث التي وردت في استحباب زيارة القبور لم يذكر فيها استثناء النساء من الرجال.

 

بناء القبور

وأما بناء القبر للفخر فحرام وكذلك البناء عليه في الجبانة العامة. قال الفقهاء " إلا إذا كان هناك سبب وهو أن يخشى على هذا الميت أن ينبش قبره قبل أن يبلى جسده ليدفن فوقه ميت جديد فإذا كان الأمر كذلك فهو جائز. وإذا كانت الأرض تخص شخصا فبنى القبر بإذن صاحب الأرض فهذا جائز لكنه عمل غير مشكور.

 

الدليل على جواز زيارة قبر النبي للتبرك والتوسل به

إن معنى التبرك كما ذكرنا هو أن يعطيه الله بركة بزيارته لقبر النبي أو قبر الولي. ثم إن الأنبياء قد أحياهم الله بعدما أماتهم فلا يستبعد عليهم أن يشعروا بالزائر فيدعون الله له، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون " رواه البيهقي. وتأكيد ذلك ما ورد في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ومماتي خير لكم فإذا أنا مت عرضت علي أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت غير ذلك استغفرت لكم " رواه البزار.

 

 

الدليل على جواز التبرك برسول الله بعد موته

وقد ورد أنه في زمن سيدنا عمر بن الخطاب حصل قحط ومجاعة فذهب احد أصحاب رسول الله إلى قبر الرسول للتبرك وقال: "يا رسول الله استسقِ لأمتِك فإنهم قد هلكوا " أي اطلب من الله أن ينزل لهم المطر. فرأى الرجل في رؤياه رسولَ الله يقول له :" أقرىء عمر السلام وأخبره أنهم يسقون" أي أن الله ينزل لهم المطر. فذهب الرجل إلى سيدنا عمر فأخبره فبكى عمر. رواه البيهقي. لقد كان ذهاب هذا الرجل إلى قبر رسول الله لغير السلام بل بقصد التبرك به فلم يعترض عليه سيدنا عمر ولم يقل له " هذا شرك " ولم يقل له "كيف تذهب إلى قبر الرسول للتبرك والرسول قد مات ولا ينفعك". إن الأنبياء ينفعون بعد موتهم

فهذا موسى عليه السلام ليلة المعراج اجتمع بالرسول في بيت المقدس وفي السماء السادسة فقال للرسول وهو نازل من المكان الذي وصل إليه فوق السموات السبع" ماذا فُرض عليك ؟ قال : (أي سيدنا محمد )" فُرض علي خمسون " قال :" ارجع فسل ربك التخفيف " فرجع الرسول إلى ذلك المكان الذي كان يناجي فيه ربه وطلب من الله التخفيف فخفف عنه خمسا ثم رجع إلى حيث موسى فقال له موسى " ماذا فعلت " قال " قد خفف الله عني خمسا " قال " ارجع إلى ربك وسله التخفيف " إلى تسع مرات حتى بقي الفرض عليه وعلى أمته خمس صلوات في اليوم والليلة، فهذا سيدنا موسى الذي مات منذ زمان بعيد قبل الرسول صلى الله عليه وسلم قد نفع بعد موته.

 

فاحذر أخي المسلم ممن يقول أن الأنبياء لا ينفعون بعد موتهم : بل نقول إنهم ينفعون بإذن الله تعالى. والانتفاع ببركتهم أولى من الانتفاع بما استخرج من أدوية نباتية أو حيوانية. وإذا دخلت أخي المسلم إلى مقبرة فإليك ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال : " السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر " رواه الترمذي.

اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر ومن فتنة القبر وفتنة المحيا وفتنة الممات وفتنة المسيح الدجال.

 

الخطبة الثانية:

إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ سُبحانَه وتَعالَى وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه صلَّى اللهُ عليهِ وعلى كلِّ رسولٍ أرسلَه.

أما بعد عبادَ اللهِ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ ونفسِيَ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العظيمِ.

 

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِّ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا} اللّهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: {يا أيُّها الناسُ اتَّقوا رَبَّكم إنَّ زلزَلَةَ الساعَةِ شَىءٌ عَظِيمٌ يومَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملَها وَتَرَى الناسَ سُكارَى ومَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عذابَ اللهِ شَديدٌ}، اللّهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فبجاه محمّد استجبْ لنا دعاءَنا، اللهم بجاه محمّد اغفرِ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّهُمَّ بجاه محمّد اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ، اللّهُمَّ بجاه محمّد استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ.

عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون.

 

اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

 

 

خطبة عيد الأضحى المبارك 1431هـ -2010

الخطبة الأولى:

الله أكبر - الله أكبر – الله أكبر - الله أكبر – الله أكبر -الله أكبر – الله أكبر – الله أكبر – الله أكبر

 

الحمد لله الذي يخلق ما يشاء ويختار، أحمده سبحانه الواحد العزيز الغفار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين وقدوة الأبرار، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى ءاله وصحبه، صلاة دائمة ما تعاقب الليل والنهار.

 

أما بعد فيا إخوة الإسلام أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل فإن تقواه سبحانه وصيته للأوائل والأواخر، بها تسمو الضمائر وترق المشاعر، وتقبل الشعائر، وبها النجاة يوم تبلى السرائر، يقول عز وجل: "وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـٰكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ". النساء:131.

 

عباد الله، اشكروا الله عز وجل أن بلّغكم هذا اليوم العظيم وهذا الموسم الكريم، واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن يومكم هذا يوم مبارك، رفع الله قدره، وأعلى ذكره وسماه يوم الحج الأكبر، وجعله عيدًا للمسلمين حجاجًا ومقيمين، فيه ينتظم عقد الحجيج على صعيد منى بعد أن وقفوا بعرفة وباتوا بمزدلفة، في هذا اليوم المبارك يتقرب المسلمون إلى ربهم بذبح ضحاياهم اتباعًا لسنة الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وقد أمر الله خليله إبراهيم بذبح ابنه وفلذة كبده فامتثل وسلّم، ولكن الله سبحانه بفضله ورحمته افتداه بذبح عظيم، فكانت ملة إبراهيمية جارية وسنة محمدية سارية، عملها المصطفى، ورغّب فيها، ففي الصحيحين أنه ضَحَّى ‏بِكَبْشَيْنِ ‏أَمْلَحَيْنِ ‏أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ.

 

معاشر المسلمين، الأضاحي شعيرة عظيمة وسنة قويمة، قد ورد الفضل العظيم لمن أحياها، في الحديث عنه  قال:"‏مَا عَمِلَ ابْنُ ‏ءادَمَ ‏‏يَوْمَ النَّحْرِ ‏عَمَلا أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ‏إِهْرَاقِ ‏‏الدَّمِ وَإِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلافِهَا ‏‏وَأَشْعَارِهَا وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نفْسًا" رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما. وفي حديث ‏‏زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ‏‏قَالَ:‏ قَالَ ‏‏أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ‏‏يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الأضَاحِيُّ قَالَ: ‏سُنَّةُ أَبِيكُمْ ‏‏إِبْرَاهِيمَ ‏قَالُوا: فَمَا لَنَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: بِكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَةٌ، قَالُوا: فَالصُّوفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: بِكُلِّ شَعَرَةٍ مِنْ الصُّوفِ حَسَنَةٌ. خرّجه أحمد وابن ماجه.

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

إخوة الإيمان، يُعد هذا الاجتماع في هذا اليوم العظيم بآثاره الحميدة وحكمه السامية مظهرًا من مظاهر الوحدة الإسلامية، إن وحدةَ الصفّ واجتماعَ الكلمة والتجافيَ على الفُرقة ونبذَ التنازع المفضي إلى

 

الفشل وذهابِ الريح هو من المقاصد الكبرى لهذا الدين، لها فيه مكانةٌ عليَّة ومنـزلة ساميَة ومقام  كريمٌ، وقد مضى رسول الله الذي نزّل عليه ربّه في الكتاب قولَه سبحانه:"وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ". [المؤمنون:52]، مضى جاهدًا كلَّ الجهد في تقرير هذه الحقيقة الكبيرة وترسيخ هذه القاعدة الشريفة وإرساء هذا المقصد العظيم في كلّ طَور من أطوار حياته، مبتهلاً كلَّ فرصة، موظِّفًا كلَّ موقف، مستثمرًا كلَّ مناسبة، مستعملاً مختلِف ألوانِ البيان، فحرص على التأكيد على حقيقة وحدة الأمة بدوام التذكير بها والعمل على تعميق الإحساس بضرورتها ولزومها في كلّ مناسبة يشهدها وعندَ كلّ موقفٍ يقفُه، لاسيما في هذه المجامع العظام التي يجتمع فيها المسلمون لإقامة شعائر الله، والتي يتبوأ يومُ الحج الأكبر منها موقعَ الصدارة، إذ هو اللقاء الذي تلتقي فيه الوَحدة بالتوحيد أروعَ لقاءٍ وأجملَه وأوفاه.

 

فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه أنه قال: خطبنا رسول الله يومَ النحر فقال: "فَإِنَّ دِمَاءكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلاَ تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا  يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ يَكُونُ أَوْعَىَ لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ".

عباد الله، إنَّ في هذه الخطبة العظيمة التي خطب بها رسول الله في هذا اليومِ العظيم من ألوان التقرير لوِحدة الأمّة والحثّ على الاستمساك بأهدابها والتنفير من المساس بها أو تعكير صفوها أو توهين عُراها بأيّ صورةٍ من الصور وتحت أيّ اسم من الأسماء ما لا مزيد عليه، فحرمةُ الدماء والأموال والأعراض مرتكزٌ عظيم وقاعدة راسخة وأساس متين لبناء وحدة الأمة القائمة على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

 

وها نحن اليوم، إذ نتحدث عن أهمية الوحدة إزاء ما نعانيه ونراه من تشتت وتباعد على نطاق واسع وشاسع جدير بنا أن نوجه دعوة صادقة مخلصة إلى التعاون والتكاتف والتماسك.

فقد قال سيدنا المصطفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: »لا تَحاسَدُوا، وَلا تَناجَشُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلا يَبع بَعْضُكُمْ على بيع بَعْضٍ وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا، المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنا ـ ويشيرُ إلى صدره ثلاثًا ـ بِحَسْبِ امْرىءٍ مِنَ الشَّرّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرْضُهُ". رواه مسلم وغيره.

وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّىَ. رواه البخاري ومسلم. بهذا تتحقق الوحدة ويكون الاعتصام الصحيح.

 

أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم

الخطبة الثانية

الله أكبر-  الله أكبر- الله أكبر- الله أكبر-الله أكبر- الله أكبر- الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

الحمدّ لله الذي منّ علينا بهذه الصبيحة المباركة اللامعة، والصلاة والسلام على محمد ذي الأنوار الساطعة وعلى ءال بيته الطاهرين وصحابته الطيبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فيا عباد الله، اتقوا الله واعملوا على إحياءَ سنن رسول الله تحظَوا برضوان ربّكم، وتكونوا عنده من المفلحين الفائزين، وليكن هذا العيدُ موسمًا للإحسان في كلّ دروب الإحسان. يقول الله تعالى:  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. [الحج2 ]

 

عباد الله إننا بهذه المناسبة العظيمة مناسبة عيد الأضحى المبارك نؤكِّد عليكم صلَةَ الأرحام ومواساة الفقراء والأيتام والإحسان إلى الأرامل والمساكين.

عباد الله، ألا فصلوا وسلموا على خاتم النبيين وإمام المتقين، فقد أمركم بذلك الربّ الكريم فقال سبحانه قولاً كريما: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا. الأحزاب:56.

 

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي...

يوم الثلاثاء 16.11.10هو يوم عيد الأضحى المبارك

نعلمكم أن أول أيام شهر ذي الحجة لسنة1431 هـ هو يوم الأحد 07 نوفمبر 2010 وعليه فإن عيد الأضحى المبارك يصادف يوم الثلاثاء 16 نوفمبر 2010. و بهذه المناسبة السعيدة يتقدم المجلس الإسلامي من المسلمين بأحر االتهاني راجين المولى عز وجل أن يعيدها علينا وعلى سائر الأمة الإسلامية بالخير والأمان والسلام.

 

العاشر من ذي الحجة

روى البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام - يعني أيام العشر- قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) وروى الإمام أحمد رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أعظم ولا أحب إلى الله العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) وروى ابن حبان رحمه الله في صحيحه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الأيام يوم عرفة)


حسن الخلق

إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ سُبحانَه وتَعالَى وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له ولا مَثيلَ لَهُ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ ولا أَعضاءَ ولا هيئةَ ولا صورةَ ولا شكلَ ولا مكانَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنَا وقائِدَنا وقرَّةَ أعيُنِنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه بلَّغَ الرِّسالَةَ وأدَّى الأمانَةَ ونصَحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنا خيرَ ما جَزَى نبيًا من أنبيائِه. الصلاةُ والسلامُ عليكَ يا قَمَرَ الأَقْمَارِ ويا بَدْرَ الدُّجَى وَيَا حِبَّ رُوحِي وَفُؤَادِي ويا قُرَّةَ عَينِي يا مُحَمَّد

أما بعدُ عبادَ اللهِ، فإنِّي أُحِبُّكُم في اللهِ وأُوصيكُمْ ونفسِيَ بتَقْوَى اللهِ يقولُ اللهٌ تبارك وتعالى في القرءان الكريم: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُون والذِينَ لا يعلَمون} سورة الزمر/9.

أهلُ اللهِ تبارك وتعالى أهلُ الصِّدْقِ وَالوَفَاءِ وَالصَّفاءِ العَارِفُونَ بِاللهِ تعالَى العُلَمَاءُ العَامِلونَ الخَائِفُونَ الخاشِعونَ السَّاجِدونَ الرَّاكِعُونَ تَحَلَّوْا بِالْخُلُقِ الْحَسَنِ وأقبَلُوا علَى بَذْلِ المعروف.

وردَ في حديثِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم الذي أَجَابَ فِيهِ صَاحِبَه أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وَصايَاهُ الشريفةُ التي تَرفعُ من شَأنِ العالِمِ الْمُلْتَزِمِ بِها، فقد روى ابنُ حبانَ في صحيحِه عن أبي ذرٍّ رضيَ اللهُ عنه قالَ: "أَوْصَانِي خَليلِي بِخِصَالٍ مِنَ الخيرِ، أوصانِي أَنْ أنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي ولا أَنْظُرَ إلَى من هو فَوْقِي وَأَوْصَانِي بِحُبِّ المساكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنهُمْ وأوصَانِي أَنْ أَقُولَ الحَقَّ وإِنْ كَانَ مُرًّا وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإِنْ أَدْبَرَت وأوصَانِي مِنْ أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ".

الخُلُقُ الْحَسَنُ وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ مِنْ شَمَائِلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في وَصْفِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمْ: "لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا وَلا سَخَّابًا في الأَسْوَاقِ وَلا يَجْزِي بِالسَّيِّئةِ السَّيِّئَةَ ولكن يَعْفُو وَيَصْفَحُ"

وَمِنْ خُلُقِ النبيِّ العربيِّ الكريمِ صلى الله عليه وسلم ما قالَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ يُعَلِّمُنا وَيُؤَدِّبُنا: "مَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَه فِي أَيِّ الْحُورِ مَا شَاءَ".

أيّها الأحبَّةُ الكِرامُ، هَذهِ شَمَائِلُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ووَصَايَاُه.

النبيُّ عليه الصلاة السلام صاحبُ الوجهِ الحَسَنِ وَالخُلُقِ الحسَنِ أوصانَا بِبَذْلِ المعروفِ وَالخُلُقِ الحسَنِ فَمَا هُوَ الخُلُقُ الحسَنُ الذِي لَوْ تَحَلَّيْنا بهِ أَفْرَادًا وَأُسُرًا عَلَمَاءَ وَأَسَاتِذَةً وَمُعَلِّمِينَ وَمُرِيدِينَ مَا قَالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي وَصْفِ الخُلُقِ الْحَسَنِ "هُوَ بَسْطُ الوَجْهِ وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ وَكَفُّ الأَذَى" هِيَ العِبَرُ فِي الدِّينِ كَثِيرَةٌ ولكن عَلَينَا الاعتِبَارُ وَالاِتِّعَاظُ وَمَا سَرَدْناهُ وَمَا تلَوْناهُ وما ذَكَرْنَاهُ وَمَا بَسَطْنَاهُ إنْ هو إلاَّ كمَا يَعْلَقُ في الخَيْطِ في مَا لَوْ أَلْقَيْتَه فِي البَحْرِ ثُمَّ أَخَذْتَه.

فالعِبَرُ فِي القُرْءَانِ الكَرِيمِ وَالْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّريفِ وَفِي كَلامِ الصَّحابَةِ الكِرَامِ وَمَنْ تَبِعَهُم بإِحْسَانٍ مَواعِظُ وَعِبَر، شَمَائِلُ حَسَنَةٌ وخِصَالٌ حَمِيدَةٌ إذًا فَلِمَ التَّنازُعُ؟ إذًا فَلِمَ الشِّقَاقُ؟ فَلِمَ عُقُوقُ الوالِدَيْنِ؟ فلِمَ نُشُوزُ الزَّوجَةِ؟ إذًا فلِمَ يَظْلِمُ كَثِيرونَ أَنْفُسَهم وَغَيْرَهم؟ وَالْعِبَرُ كَثِيرَةٌ وَالْمَوَاعِظُ وَفِيرَةٌ وَالآيَاتُ البَيِّنَاتُ ثابِتَةٌ وَاضِحَةٌ وَالأَحَادِيثُ الشَّريفَةُ الصَّحيحَةُ ثَابِتَةٌ وَاضِحَةُ

الشَّأْنِ في مَنْ يَعْمَلُ فِي مَا تَعَلَّمَ، الشَّأْنُ في أَنْ تُطَبِّقَ عَلَى نَفْسِكَ ما تَسْمَعُ من عُلومِ الدِّينِ وَءادَابِ الشَّريعَةِ وَسُلوكِ الصَّالِحينَ.

نَعَم إخوةَ الإِيمان، النبيُّ صلى الله عليه وسلم أوصَى أبَا ذَرٍّ أن يَنْظُرَ إلى من هو دونَه في الدنيا حتى يَشْكُرَ نِعْمَةَ رَبِّهِ عليه وحتى لا يَزْدَرِيَ الْمَرْءُ نِعَمَ اللهِ التي أَسْبَغَها عَلَيهِ، ففي أُمُورِ الدنيا انْظُرْ إلَى مَنْ هُوَ أَقَلُّ مِنكَ وَأَضْعَفُ مِنْكَ جِسْمًا وَأَقَلُّ ذُرِّيَّةً وَأَكْثَرُ بلاءً وَأَشَدُّ أَمْرَاضًا لِتَنْظُرَ فِي نَفْسِكَ فتقولَ الحمدُ للهِ على كلِّ حَال.

قالَ: "ولا أنَظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي" فإنَّ من ينظرُ إلى من هو فوقَه مِمَّنْ أنعمَ اللهُ عليهم فإن لم يكَنْ لَهُ مالٌ ولا ذريةٌ ولا صِحَّةٌ ولا حاشِيةٌ فإنَّ كثيرينَ يَسْعَوْنَ السَّعْيَ الحرَامَ لِيَكْثُرَ مَوْرِدُهُمْ وَلتَتَعَدَّدَ حِسَابَاتُهُم في البُنُوكِ فَيطرقُونَ أَبْوَابَ الحرامِ ولا يَكْتَفُونَ بِالحَلالِ وهكذا شأنُ بعضِ الأولادِ وبَعْضِ الزَّوجاتِ الذِينَ يَكُونونَ فِتْنَةً في إِلْحَاحِهمْ وَمُتَطَلَّباتِهم فلا يكُفُّونَ عنِ الإِلْحَاحِ عَنْ طَلَبِ المزِيدِ حَتَّى يَغْرَقَ الزَّوْجُ أَوِ الأَبُ في مَالٍ حَرامٍ وَتَرْتَكِبُه الدُّيُونُ الكَثِيرَةُ بَعدَمَا يُحَاوِلُ مُقَامِرًا خَاسِرًا فَيعُودُ خَائِبًا ولا يَنْدَمُ بَعْضُهم على ما يبدرُ منه بل يَتَورَّطُ من قَضِيَّةٍ إلى قضيةٍ مِنْ زِنَا إلَى شُرْبِ خَمْرٍ مِنْ قِمَارٍ إلى قَرْضِ رِبًا ظَنا منهُ أنه يُرِيدُ مَرَّةً أَنْ يُمَوِّهَ عن نفسِه ومرةً أن يوسِّعَ مواردَ رزقِه فهل أولادُك في مثلِ هذهِ الحالةِ وزوجتُكَ تدفعُ عنك عذابَ القبرِ في ما لو تورَّطتَ في المالِ الحرامِ وظلمِ الناسِ لِتُلَبِّيَ طلباتِهم في ما حرَّمَ اللهُ تعالى.

قالَ أبو ذر "وأوصانِي النبي صلى الله عليه وسلم بحُبِّ المساكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ" عاشِرْ أهلَ الفَضْلِ، ليكُنْ أصدقاءُك وأصدقاءُ أولادِك من أهلِ العلمِ والفضل، ليكن طلبةُ علمِ الدينِ من أهلِ الأدبِ والسلوكِ الحسَنِ في الشريعةِ أصدقاءَكَ، لا تُعَاشِرْ أهلَ السوءِ ولا تأذَنْ لأولادِك بِمُعَاشَرةِ أهلِ السوءِ وكذلك الأمرُ بالنسبةِ لزَوْجِكَ فَإِنَّ صَاحِبَ السُّوءِ سَاحبٌ، وكثيرونَ مِنَ الآبَاءِ في غفلةٍ عن هذا يتركونَ أولادَهم فيفاجؤونَ في ما بعدُ أن ولدَه صارَ مدمنًا على سجائرِ المخدراتِ أو في شمِّ الكوكايين أو بيعِ والاتجارِ في الهرويين وأن ابنتَه صارَ يراقصُها فلانٌ ويداعِبُها فلان والعياذُ باللهِ تعالى، كلُّ ذلك بِدَعْوَى الحضَارَةِ كُلُّ ذلك بدَعْوَى التمدُّنِ أما دينُ اللهِ تباركَ وتعالى فكثيرونَ يظنُّونَ أَنهُ لِلْمَسَاكينِ وَالفُقَراءِ والذينَ شابَتْ رؤوسُهم، أما الشبَابُ والأَغْنِياءُ والرجالُ والنساءُ الذين في مُقْتَبَلِ عمرِهم فَقَلَّ ما يَلْتَفِتُونَ إلَى الالتِزَامِ بأَحْكامِ دِينِ اللهِ تعالى

قال: "وأوصاني أن أقولَ الحقَّ ولو كانَ مرًّا" اتَّهِم رأيَك، اتَّهِمْ نَفْسَكَ، لا تكُنْ مُسْتَبِدًا بِرَأْيِكَ ولا يَكُنْ هَمُّكَ أن يَغْلِبَ رأيُكَ رَأْيَ إِخْوانِكَ، تَعَاوَنوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوى، ولا يَكُنْ هَمُّكَ أن تَتْفَرِدَ برأيِكَ فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُوحَى إِلَيْهِ وكانَ يَسْتَشِيرُ.

قالَ: "وأوصانِي أن أَصِلَ رَحِمِي وَإِنْ أَدْبَرَتْ" ألَيْسَ اللهُ تعالى يقولُ في القرءانِ الكَرِيمِ: {فَهَلْ عَسَيْتُم إِنْ تَوَلَّيْتُم أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكمْ} سورة محمد / 22.

وَلطالَما أوصَينا في مُنَاسَبَاتٍ كَثِيرَةٍ وَخُطَبِ الأعيادِ وغيرِها بِصِلَةِ الأَرْحَامِ فَإِنَّ تَفَكُّكَ المجتمعِ اليومَ وما يُعانيهِ مِنْ فِتَنٍ وَأَوْبِئَةٍ سَبَبُهُ عَدَمُ التَّرَابُطِ الدِّينِيِّ الأَخَويِّ الذِي حَضَّ اللّهُ عليهِ في القرءانِ وأمَرَنا بهِ النبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فَبَعْضٌ مِنَ الناسِ لا يعرفونَ خالاتِهم ولا عَمَّاتِهم وَلا أخوالَهم بل لا يَزُورُ جَدَّهُ ولا جَدَّتَه إلا بَعْدَ عَشْرِ سنين حينَ ما يَأتِيهِ وَرَقَةُ نعيِهِ فَيَنْتَظِرُهُ خَارِجَ المسجِدِ لِيَسْأَلَ في ما بعد ماذَا تَرَكَ لَنا مِنْ وَصِيَّةٍ أو تَرِكَةٍ.

قالَ: "وأوصانِي بأَنْ أُكثِرَ من قَولِ لا حَولَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ بِالله" فإنَّهَا تُفَرِّجُ الْهَمَّ بِإِذْنِ اللهِ فَأَكْثِرْ مِن قَولِ لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ، وَمَعْنَاهَا لا حَولَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ إِلاَّ بِعِصْمَةِ اللهِ وَلا قُوَّةَ عَلَى طاعَةِ اللهِ إلا بِعَونِ اللهِ، هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.

الخطبة الثانية:

إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ سُبحانَه وتَعالَى وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه صلَّى اللهُ عليهِ وعلى كلِّ رسولٍ أرسلَه.

أما بعد عبادَ اللهِ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ ونفسِيَ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العظيمِ.

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِّ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا} اللّهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: {يا أيُّها الناسُ اتَّقوا رَبَّكم إنَّ زلزَلَةَ الساعَةِ شَىءٌ عَظِيمٌ يومَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملَها وَتَرَى الناسَ سُكارَى ومَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عذابَ اللهِ شَديدٌ}، اللّهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فبجاه محمّد استجبْ لنا دعاءَنا، اللهم بجاه محمّد اغفرِ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّهُمَّ بجاه محمّد اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ، اللّهُمَّ بجاه محمّد استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ.

عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون.

اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

 

اغتنام الأوقات في طاعة الله

 

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له وأشهد أنّ سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيّه وحبيبه صلى الله عليه وعلى كل رسول أرسله أما بعد فيا أيها الأحبّة المسلمون أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العلي العظيم فإنّ هذه الدنيا كالخيال لا بدّ أن يطرأ عليها الزوال وإلى الله مرجعنا والقبر يضمّنا ويوم القيامة يجمعنا فهنيئًا لمن قدّم في هذه الدنيا ليوم المعاد ما ينفعه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم . يقول الله تعالى في القرءان الكريم : وضرب الله مثلاً قرية كانت ءامنة مطمئنّة يأتيها رزقها رغدًا من كلّ مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. النحل ـ112ـ

 

قصّ الله لنا في هذه الآية حال أولـئك القوم الذين كانوا يتوسّعون في النعيم لما كانوا مؤمنين فلما كفروا بالله تعالى عجّل الله عليهم العقاب في الدنيا قبل الآخرة انتقم الله منهم في الدنيا قبل الآخرة فابتلاهم الله تعالى بالجوع والخوف بما كانوا يصنعون بما كسبت أيديهم في الدنيا . ألا فلنتّعظ ، ألا فليتّعظ الناس بما قصّ الله تعالى في هذه الآية الكريمة فإنّ نعيم الدنيا لا يدوم لأحد وإنما كن في الدنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل وإنما كن في الدنيا كراكب استظلّ تحت شجرة مثمرة ثم راح وتركها . ازهد في هذه الدنيا وأقبل على أعمال الآخرة واعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك ، فمن وصل إلى هذا المقام فهو دائم الحضور حضور القلب بالخشية من الله وتعظيمه ، كأنهم الذين وصلوا إلى هذا المقام يرونه ، مع أنهم لا يرونه يخشونه كأنهم يرونه هذا مقام الإحسان فإذا وصل الإنسان إلى مقام الإحسان تكون العبادة لذة له . هذا عثمان رضي الله عنه الخليفة الراشد ختم القرءان في ركعة واحدة من شدة ما كان يجده من اللذة والفرح والسرور .

 

أيها الإخوة اتقوا الله عباد الله فهنيئًا لمن تعلق قلبه بطاعة ربه وعمل لمرضاة ربه وهيّأ الزاد ليوم المعاد ولم يهمل شيئًا من الواجبات ولم يتأسف على دنيا زائلة ولم يلهث وراء المحرمات الفانية ولم يترك شيئًا مما فرض الله تعالى . الشريعة أيها المسلمون تعلم الأدب ، الشريعة أيها الأحباب تحث على التزود للآخرة  هذا وأستغفر الله .

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهْدِيهِ ونشكُرُه ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيّئاتِ أعْمَالِنا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِي لهُ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ . عبادَ اللهِ أُوصِيْ نفسِيَ وإيّاكمْ بتقْوَى اللهِ العَليّ العظيمِ يقول الله تعالى: ]يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد[واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ :]إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا[ اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدَنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، ، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ.عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون .اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ .

 

خطبة عيد الفطر

الخطبة الأولى

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً

والحمد لله كثيراً وسبحان الله والحمد لله بكرةً وأصِيلاً، لا إله إلا اللهُ ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كرِه الكافرون. لا إله إلا اللهُ وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله واللهُ أكبر.

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفواً أحد. أحمده تعالى وأستهديه وأسترشده وأتوب إليه واستغفره وأعوذ باللهِ من شرور أنُفسِنا وسيئات أعمالنا. من يهدِه اللهُ فهو المهتد ومن يضلِل فلن تجد له ولياً مرشداً.

والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على سيدنا محمد سيد ولد عدنان من بعثَه اللهُ رحمةً للعالمين هادياً ومبشراً ونذيراً وداعياً الى اللهِ بإذنه سراجاً وهاجاً وقمراً منيراً فهدى اللهُ به الأمة وكشف به عنها الغمة وبلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فجزاه اللهُ عنا خير ما جزى نبياً من أنبيائه.

أما بعد أيها الأحبة المسلمون أوصي نفسي وإياكم بتقوى اللهِ العظيم.

الحمد لله على هذه الصبيحة المباركة صبيحة عيد الفطر المبارك الذي من الله به على أمة محمد عليه الصلاة والسلام وما يحمل معه من آيات الفضل والأنعام التي تفضل الله بها علينا. اليوم يوم عيد والحمد لله رب العالمين، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يعيده على المسلمين بالخير والأمل.

إخوة الإيمان،

ها قد انتهى شهر رمضان المبارك وأهل هلال شوال فكونوا من الذين يتقون الله في رمضان وبعد رمضان، لأننا أيها الأحبة المسلمون في دار العمل، التي قال فيها سيدنا عمر رضي الله عنه :

"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا ليوم العرض"، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه :" اليوم العمل وغداً الحساب"، فمن أراد بحبوحة الجنة، فمن أراد النعيم في جنة النعيم، فمن أراد أن يكون مع المؤمنين في سرر متقابلين، فمن أراد أن يشرب من حوض النبي صلى الله عليه وسلم، فمن أراد أن يشملَه نعيم الله، وفاكهة وأبا، فمن أراد أن يأكل من ثمار الجنة ويتنعم بنعيمها فليستمع إلى قول الله تعالى:"ولاَ تموتن إِلاَّ وأَنتم مسلِمونَ"، أثبت على إسلامك حتى الممات وهذا العمل الصالح الإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال عند الله، لكنك أخي المسلم مطالب عند الله بفرائض عملية فرعية كالصلاة والصيام تقربا إلى الله وهذا حق الله عليك وكذلك كَبِر الوالدين وإغاثة الملهوفين من أهل الضرورات إن تعين عليك.

إخوة الإيمان، إننا في عيد الفطر نذكركم بدفع زكاة الفِطْر لمن لم يدفَعها وهي صاع من غالب قوت البلد عن الشخص الواحد وقيمتها أقل 5 فرنكات ومن شاء دفع الزيادة ينوي بأن ما زاد صدقة، وتعطى لفقير محتاج وكل من يستحق الزكاة ولا يجوز ولا يجزئ دفعها لغير المستحقين ولا تصح عن طريق التحويل البنكي فمن فعل هذا عن طريق التحويل فليدفعها باليد إلى فقير اليوم قبل غروب الشمس.

وأوكّد عليكم صلة الأرحام. والأرحام هم كالجد والجدة والعم والعمة والخال والخالة وأولادهم وأولاد أولادهم ونحوهم. وإياكم وقطيعة الرحم لخصومات دنيوية فإنَّ رسول الله قال :" لا يدخل الجنة قاطع " أي لا يدخلها مع الأولين.

وأذكّركم بمساعدة الفقراء والمحتاجين، فقد مدح اللهُ تعالى الذين يطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً فاسعوا لأن تكونوا منهم. كما أذكّركم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ماءامن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلَم به ". ومعنى "ما ءامن بي" معناه لا يكون كاملَ الإيمان. وإن العناية بهذا الأمر أيها الأحبة تزيد تأكّداً إن كان هذا الإنسان من أقربائك، فإنَّ قطيعة الرحم من أكبر الكبائر، فينبغي للمؤمن أن يشعر أخاه المؤمن بعطفه عليه

وأخوته له وعنايته به ويشعِره أنه سند له وقت الشدائد والمصاعب.

وأذكّركم أيها الأحبة بزيارة قبور المسلمين وقراءة القرءان عندها فإنَّ رسول الله كان يترك عائشة على فراشها ويستأذنها في ليلتها مع أنها من أجمل نسائه وأحدثهن سِناً، ليذهب إلى جبانة البقيع ويدعو لأهلها ويستغفر لهم، وعلّم أمته قراءة القرءان لأمواتهم فقد قال عليه الصلاة والسلام :"إقرأوا يس على موتاكم ".

كما أعيد تذكيركم بصيام ستة أيام من شوال لما فيها من عظيم الأجر والثواب. وأذكركم بأننا مستعدون لتدريس علم الدين لمن يريد ومن شاء فليراجعنا بعد الخطبة.

كما أذكّركم يا عباد الله بتقوى الله في جميع أوقاتكم وأنَّ الله عالمٌ بكم ومطّلع عليكم في كل أوقاتكم وتقّلباتكم وأنه لا يخفى عليه شىء. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين

الطاهرين وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى كلّ رسول أرسله، الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله، يا من بعثك الله رحمة للعالمين، الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله يا من أمرتنا بالخلق الحسن يا رسول رب العالمين الصلاة والسلام عليك :

يا خير من دفِنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم

أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته عند الصراط إذا ما زّلت القدم

وصاحباك فلا أنساهما أبداً مني السلام عليكم ما جرى القلم

اللّهم أكرمنا بزيارة البيت الحرام وزيارة قبر نبيك عليه الصلاة والسلام وارزقنا شفاعته يا أكرم الأكرمين وارزقنا شربة ماء من حوضه بيده الشريفة وتب علينا وارحمنا يا رب العالمين.

إخوة الإيمان لقد من الله علينا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا النبي العظيم بعثه الله رحمة للعالمين، شريعته خاتمة الشرائع، دينه دين جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دين الإسلام. هذا النبي العظيم الذي دعا إلى الحق والهدى ونهى عن الشر وما يؤدي إلى الرذائل.

ونحن اليوم في هذه الصبيحة المباركة حري بنا أن نلتزم شرع الله تعالى، كما نصلي نكسب بر الوالدين، كما نصوم لا نكون من أهل قطيعة الرحم، كما نذكر الله باللسان نقوم إلى متخاصِمين فنصلح بينهما وكما أنعم الله علَي بالرزق والذرية والزوجة والبيت والطعام وغير ذلك أتذكّر إخواناً فقراء، أتذكّر إخوانا مساكين، أتذّكر إخواناً أيتاماً، أتذكر حال الأرامل والمشردين، أتذكّر قول النبي صلى الله عليه وسلم : "ما ءامن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به." أي لا يكون كامل الإيمان. فنسأل الله تبارك وتعالى السلامة من حال أولئك الذين يغفلون حتى عن الصدقة القليلة الذين يبذلون المال في المحرمات الذين يتوسعون في الإسراف على ما حرم الله تبارك تعالى ويتركون عباداً مؤمنين فقراء يفترشون الأرض ويبيتون في العراء فإن أنت أخي المسلم لم تتذكر حال هؤلاء، أمثال هؤلاء، بعضاً من هؤلاء، ترى إلى من يلتجئون إلى عدو لئيم أم إلى كافر ذميم وأنت تتوسع في التنعم بملبسك ومسكنك وطعامك وأهلك، لا، بل تذكَّر هؤلاء، تذكّر الفقراء والمعوزين، تذكّر إخوانك الذين قد لا يجدون مأوى لهم ولا كسوة ضرورية لأولادهم. تذكّر حديث النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا أسلم العبد فحسن إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف"

قال تعالى:" مثَل الَّذِين ينفِقونَ أموالَهم فِي سبِيلِ اللهِ كَمثَلِ حبةٍ أنبتت سبع سنابِلَ فِي كُلِّ سنبلَةٍ مائَة حبةٍ واللهُ يضاعِف لِمن يشاء واللهُ واسِع علِيم"

انفِق ما في جيبك يسجله لك الملكان الكريمان، أنفق ما في يمينك بحيث لا تعلم

شِمالك، تذكّر أهلك، تذكّر في هذه الصبيحة المباركة والِديك.

قال الله تعالى:" فَهلْ عسيتم إِن تولَّيتم أن تفْسدوا فِي الأَرضِ وتقَطِّعوا أرحامكم

صِلوا أرحامكم ولا تنتظروا منهم أن يبدءوكم بالزيارة، فهذا ليس من باب الإحسان ولا من باب الحكمة، اعف عمن ظلمك، اصفح عمن أساء إليك، بادر بالعفو والإحسان، أصلح بين أخويك، ولا تقطع أهلك بالزيارة ولا بالهدايا، تهادوا تحابوا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. تذكروا أبناءكم في هذا اليوم المبارك فأعدوا العدة لهذا اليوم لتحركوا في نفوس الصغار الإقبال على الطاعة بكل بهجة وسرور، ليستقبلوا العيد على أنهم يستقبلون شيئُا عظيماً وكي لا يكون في تاريخهم نسياً منسياً خاصة في هذه البلاد حيث يطغى الكلام عن الاحتفال بأعياد غير المسلمين.

أخي المسلم، تحلّ بحسن الخلق ومن حسن الخلق هو شيئان هو تحمل أذى الغير وكف أذاك عن الغير فكيف بك بوالديك، إياك أن تعاملها بالتضجر والتأفف والسباب والشتم واللعن والإعراض عنهما فلا تكن ممن يكسر قلبهما، فإن كنت ممن تلوث بشىء من هذه الخطيئات، فإن كنت ممن تلوث بشىء من هذه المحرمات فتب إلى الله قبل الممات.

اعلموا أيها الأحبة أن صلاة العيد سنة غير واجبة إذ لا صلاة واجبة يؤاخذ العبد بتركها غير الصلوات الخمس. ويدلّ على ذلك أحاديث عديدة منها أن رجلاً جاء إلى النبي صلى اللهُ عليه وسلم يسأله عن الإسلام فعلّمه رسول الله وكان مما علّمه : "خمس صلوات كتبهن اللهُ على عباده" فقال الرجل : هل علَي غيرها، قال : لا، إلا أن تطَوع. وصلاُة العيد أيها الأحبُة تصِح جماعةً وُفرادى والأحسن أن تصلَّى جماعة. وأما وقت صلاة العيد فهو ما بين طلوع الشمس إلى أن تزولَ عن وسط السماء إلى جهة المغرب والأفضل تأخيرها حتى ترتفع الشمس قدر رمح بحسب رأي العين أي بعد نحو ثلث ساعة من الشروق ومن فاتته في ذلك الوقت قضاها.

ثمّ أيها الأحبة إنَّ مما يسن أيضاً غسلُ العيدين ويبدأ وقت الغسل بانتصاف ليلة العيد ويسن أن يلبس أحسن ثيابه سواء في ذلك الخارج للصلاة والقاعد في بيته، ويسن أن يقُص ظفره ويزيل الروائح الكريهة عن جسده، وأن يتطيب بأجود ما عنده من الطيب، إلاّ النساء فيكره لهن تتريهاً الخروج متطيبات إلاّ أن يقصدن التعرض للرجال فيحرم حينئذٍ. ويسن أن يبكِر إلى الصلاة ليأخذ موضعه إلا الخطيب فيؤخر إلى أن يحين وقت الصلاة، والمستحب أن يمشي ولا يركب في ذهابه، ولا بأس أن يركب في العود لأنه غير قاصد إلى قربة. وصلاة العيد لا يؤذَّن لها ولا يقام ولكن ينادى لها : الصلاة جامعة. وصلاة العيد ركعتان ينبغي للمصلّي أن يجتنب فيهما جميع مبطلات الصلاة مع الإتيان بأركان الصلاة وشروط صحة وقبول الصلاة. ويسن أن يكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع، وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام وتكبيرة الركوع، وإذا شرع بالفاتِحةِ لم يعد لها، ولو تركَها لم يكن عليه شىء وصحت صلاته. ويحسن أن يفصل بين كلّ تكبيرتين بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى سورة ق أو سورة الأعلَى، وأن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الثانية سورة القمر أو سورة الغاشية مع الجهر بالفاتحة.

ويسن أن يقوم الإمام للخطبة بعد الفراغ من الصلاة، ويستحب أن يستفتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات والخطبة الثانية بسبع تكبيرات، وهذه التكبيرات ليست من الخطبة إنما هي مقدمة، فلو ترك الخطيب التكبيرات صحت خطبته.

اللّهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وكفِّر عنا سيئاتنا وارحمنا برحمتك يا رب العالمين، اللّهم وألِّف بين قلوبنا، اللّهم ارحمنا بجاه نبيك محمد عليه الصلاة والسلام وأدخلنا الجنة بسلام يا رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد و على آله وصحبه وسلم وتقبل الله طاعاتكم وكل عام

وأنتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

There are no translations available.

يوم الجمعة 10/09/10 هو يوم عيد الفطر السعيد

المجلس الإسلامي السويسري يعلمكم أن أول أيام شهر شوال 1431 هـ هو الجمعة 10 سبتمبر(أيلول) 2010 ونغتنم هذه المناسبة لنهنئ المسلمين في أقطاب الأرض بهذا العيد السعيد أعاده الله علينا وعلى سائر الأمة الإسلامية بالخير والأمان والسلام.

 

Vendredi 10 septembre est le jour de la fête AL FITR

Le Conseil Islamique Suisse est heureux de vous informer que vendredi 10 septembre 2010 est le premier jour du mois de Chawwal 1431H. Le CIS félicite les musulmans  à l'occasion de l'avènement de cette fête bénie.

 

Am Freitag, 10. September 2010 ist der Tag des AL FITR-Festes

Der Islamische Rat der Schweiz möchte euch informieren, dass am Freitag, 10. September 2010 der 1. Tag des Monats Schawwal 1431. Der Islamische Rat der Schweiz entbietet den Muslimen auf der ganzen Welt gesegnete Festgrüsse zu diesem freudigen Anlass.

There are no translations available.

 

لَيلةُ القَدْرِ العَظِيمَةُ وزَكَاةُ الفِطْرِ

إنَّ الحمدَ للهِ نَحمَدُهُ سُبحانَهُ وتَعالَى وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّـئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومَنْ يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ. الحمدُ للهِ الواجِدِ الماجِد، السَّامِعِ ذِكرَ الذَّاكرِ وَحَمْدَ الحامِدِ، لِعَظَمَتِه رَكَعَ الرَّاكِعُ وَتَذَلَّلَ السَّاجِد، وألقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ شَامِخَاتِ القَواعِدِ، سُبْحَانَه تَنَـزَّهَ عَنِ الشَّرِيكِ وَعَنِ الوَلَدِ وَالوَالِدِ، وَأَقْسَمَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِه فِي القُرْءَانِ وَمَا يُنْكِرُ إلاَّ مُعانِد، وأشهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ولا مَثيلَ لَهُ خَلقَ السماواتِ والأرضَ وجعَلَ الظلماتِ والنورَ، خَلَقَ الشمسَ والقَمَرَ، خَلَقَ الملائِكَةَ وَالجِنَّ وَالبَشَرَ، فأَنَّى يُشْبِهُ الخَالِقُ مَخْلُوقَهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُشْبِهَ الخالِقُ مخلوقَه، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا وحبيبَنا وَعَظِيمَنَا وقائِدَنا وقرَّةَ أعيُنِنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ وَحبيبُهُ بلَّغَ الرِّسالَةَ وأدَّى الأمانَةَ ونصَحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنَّا خيرَ ما جَزَى نبيًّا مِنْ أنبيائِهِ الصلاةُ والسلامُ عليك يا سيدِي يا عَلَمَ الهدَى يا مُعَلِّمَ الناسِ الخيرَ يا أبَا الزَّهراءِ يا محمَّد.

أمَّا بعدُ عبادَ الله، فإني أوصيكم ونفسِيَ بتقوَى اللهِ العليِّ العظيم، أوصيكُم بالاستِعْدادِ لِيَومِ الموقِفِ العَظِيمِ، لِلْيَوْمِ الذِي لا يَنْفَعُ فيهِ المالُ ولا البَنُون إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَارْتَقِبُوا الموتَ فإِنَّما هِيَ أنفاسٌ مَعْدُودَةٌ وَعُمُرٌ يَفْنَى وَأَيَّامٌ تَنْقَضِي وهذهِ دُنيا مَصِيرُها لِلزَّوالِ، فَلْيَحْرِصْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا على بِنَاءِ قَبْرِِهِ، عَلَى التَّزَوُّدِ لآخِرَتِه فِي مُحاسَبةِ نَفْسِه.
يقولُ رَبُّنا تبارَكَ وتعالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)﴾ سورةُ القَدْرِ.

هيَ ليلَةٌ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ لا تَكونُ إِلاَّ في شهرِ رَمَضانَ وَلا يُشتَرَطُ أنْ تكونَ ليلةَ السابِعِ والعِشرينَ مِنْهُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ وَاثلةَ بنِ الأَسقَعِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "أُنْزِلَتِ التَّورَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ وَأُنْزِلَ الإِنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ وَأُنزِلَ الفُرقانُ لأربعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضانَ".

فيَحْتَمِلُ أنْ تَكونَ أيَّ ليلةٍ مِنْ ليالِي رمضانَ، والغالِبُ أَنَّها تكونُ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضانَ.
﴿ليلةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. فَمَنْ أرادَ إحياءَ ليلةِ القَدْرِ فَلْيَتَهَيَّأْ لِهذِهِ الليلةِ العَظِيمةِ المبارَكَةِ أَوَّلاً بِعِلْمِ الدِّينِ لأنهُ هو أَيْ عِلْمَ الدِّينِ حَياةُ الإِسْلامِ ولأَنَّ العِلْمَ قَبْلَ العَمَلِ، فَمَنْ أرَادَ أَنْ يُحْيِيَها بِالذِّكْرِ، بِالاستِغْفَارِ، بِالتَّسبيحِ والتَّحميِدِ وَالتَّهليلِ والصلاةِ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، عليهِ أولاً بِعِلْمِ الدِّينِِ، مَنْ أرادَ أنْ يُحْيِيَهَا بِصلاةِ التطوعِ، بقيامِ الليلِ، بِتِلاوَةِ القرءانِ العَظِيمِ عليهِ أولاً بِعِلْمِ الدِّينِ، كثيرٌ منَ الناسِ اليومَ لا يَعْرِفُونَ خالِقَهُم إِنَّمَا يَقُولونَ بألسنَتِهِم لا إلهَ إلاّ اللهُ. لا إلهَ إلاّ اللهُ هي حِصْنٌ لِمَنْ تَجَنَّبَ الكفرياتِ فَمَنْ قالَ بِلِسانِهِ لا إلهَ إلاّ اللهُ وفي قلبِهِ مَا يَنْقُضُ معنَى لا إلهَ إلاّ اللهُ كَمَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ ضَوْءٌ أو جسمٌ أو روحٌ فهذَا لَيْسَ بِمُسْلِمٍ عندَ اللهِ.

ولا تَسْـتَغْرِبْ أَخِي المسلمُ الصائِمُ مِنْ تَرْكيزِنَا وتشديدِنا على هذا الموضوعِ، فلقَدْ ظَهَرَ فِي عَصْرِنا هَذَا مَنْ يَقُولُ اللهُ ذَكَرٌ والمَطَرُ بَوْلُهُ والعياذُ باللهِ مِنَ الكفرِ.

وَتَتَمَيَّزُ ليلةُ القَدْرِ بالنسبةِ لِمَنْ يَرَاهَا يَقَظَةً أنهُ يَرَى أَنْوَارًا غَيْرَ أَنْوارِ الشَّمسِ وَالقَمَرِ وَالكَهْرُباءِ أَوْ قَدْ يَرَى أَنَّ شُروقَ الشمسِ في غَدِ تِلْكَ الليلةِ المبارَكَةِ العظيمَةِ في صبيحَتِها يَخْتَلِفُ عنْ شروقِ شمسِ صبيحَةِ باقِي الأَيامِ. ﴿تَنَزَّلُ الملائكةُ﴾ ملائِكَةُ الرَّحمةِ.
﴿تَنَزّلُ الملائكةُ والروحُ فيهَا بإِذْنِ رَبِّهِمْ من كُلِّ أمرٍ﴾ أي تَهْبِطُ الملائكةُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى الأَرْضِ. والمرادُ بالروحِ جِبْرِيلُ عليهِ السلامُ وهو أشرَفُ الملائِكةِ. وللملاحظَةِ إخوةَ الإيمانِ، الملائكةُ أجسامٌ نُورانيةٌ ليسُوا ذُكُورًا وَلا إِنَاثًا لا يَأْكُلونَ وَلا يَشْرَبُونَ وَلا يَنَامُونَ وَلا يَتَنَاكَحُونَ وَلا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
وقولُهُ تعالَى: ﴿فِيهَا﴾ أي في ليلةِ القدرِ.
وقولُهُ تعالَى: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي بِمَا أمرَ اللهُ تعالى بهِ وقَضَاهُ يَتنَزَّلُونَ بِكلِّ أمرٍ قَضَاهُ اللهُ في تلكَ السنَةِ إلى قَابِل، ليلَةُ القَدْرِ هِيَ الليلةُ التي قَالَ اللهُ تعالَى فيها: ﴿فيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ سورة الدخان / 4.
أيْ فيها يطلِعُ اللهُ تعالَى ملائِكَتَهُ الكِرَامَ على أخبَارِ السَّنَةِ القابِلَةِ مِنْ إِمَاتَةٍ وَإِحْيَاءٍ وَمَنْ مِنَ العِبادِ سَيَبْتَلِيهمُ اللهُ بِالمرَضِ وَالفَقرِ وَالبَلاءِ وَمَنْ مِنْهُم يُنْعِمُ عليهم بِالصِّّحَّةِ وَالغِنَى وَغيرِ ذلكَ، يُطْلِعُ اللهُ في ليلةِ القَدْرِ الملائكَةَ المقرَّبينَ. هذا معنَى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أمرٍ حَكِيم﴾ سورة الدخان / 4.
ومِنَ الناسِ مَنْ يَراها في المَنامِ كأَنْ يَرَى الأَشْجَارَ ساجِدَةً للهِ وقد يَرَى ذلكَ يقظَةً والأكمَلُ والأَقوى رؤيتُها يقَظَةً، ومَنْ رَءَاها في المنامِ فَفِي ذَلِكَ خَيْرٌ. فَمَنْ أَكْرَمَهُ اللهُ تعالَى بِرُؤْيَتِها في تلكَ الليلةِ فَلْيَدْعُ اللهَ أن يُفَرِّجَ الكربَ عنِ المسلمينَ وأنْ يَرْفعَ البلاءَ والغلاءَ عنِ المسلِمِينَ وأنْ يرفَعَ عَنْهُم ويُفَرِّجَ عَنْهُم ما أهَمَّهُم وأغمَّهم وَلْيَقُلْ اللهمَّ إنكَ عَفُوٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي.
وينبغِي لِمَنْ رأَى ليلةَ القَدْرِ أنْ يَكْـتُمَ ذلكَ ولا يَتَكَلَّمَ بهِ للناسِ لأُمورٍ منها أنهُ يُخْشَى أَنْ يُصَابَ بِالعَيْنِ، ومنهَا أنهُ إِنْ تَكَلَّمَ قَدْ يُؤَدِّي ذلكَ إِلَى فُتُورِ هِمَّةِ بعضِ المجتَهِدينَ بِالعِبادَةِ رَجاءَ أَنْ تُوافِقَ عِبادَتُهم ليلةَ القَدْرِ لِيُضَاعَفَ ثَوابُهُم، فإنَّ مِنْ حِكَمِ إِخْفَائِها عنِ الناسِ أن يَجْتَهِدَ العَبْدُ في الطَّاعَةِ كُلَّ لَيَالِي رَمضَانَ رَجَاءَ أَنْ تُصَادِفَ عِبَادَتُهُ لَيلَةَ القَدْرِ لِيُضَاعَفَ ثَوَابُهُ. فَفِي الحديثِ: "مَنْ قَامَ ليلةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

واعلَموا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلإِنسانِ المؤمنِ أن يَعْمَلَ بِالطاعاتِ في ليالِي رَمَضَانَ كُلِّها حتى يُصيبَ تلكَ الليلَةَ كَيْ لا يَفُوتَهُ ثَوابُ إِحيائِها وَلَوْ لَمْ يَرَ عَلامَاتِها في اليَقَظَةِ أو في المنامِ، فَهَـِيّئَُوا الزادَ لِيَوْمِ الْمَعَادِ وَحَاسِبُوا أنفسَكُم قَبلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَاسْتَعِدُّوا لِيَوْمٍ لا بُدَّ فيهِ مِنْ أَنْ تَدْخُلُوا حُفْرةَ القَبْرِ، وَالقبرُ بابٌ وكلُّ الناسِ دَاخِلُه وَمَلَكُ الموتِ لا يَسْتَأْذِنُ كَبيرًا كَمَا لا يَسْتَأْذِنُ صغيرًا ولا يترُكُ قويًا مُعافًى كَما لا يترُكُ مَرِيضًا سَقِيمًا أَوْ شَيْخًا هَرِمًا فَأَقْبِلُوا إلَى ءاخِرَتِكُم بِالطَّاعَةِ والتوبَةِ قبلَ الموتِ. هذا وأستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم.

الخُطبةُ الثانيةُ

(الحثُّ على دفعِ الزكاةِ وأنَّ الجمعيةَ تدفعُ الزكاةَ للمستحقينَ)

الحمدُ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ ونستهْدِيهِ ونشكُرُهُ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيّئاتِ أعْمَالِنا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِيَ لهُ والصلاةُ والسلامُ على محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ وعلَى ءالِهِ وصحبِهِ ومَنْ وَالاهُ.

عبادَ اللهِ أُوصِيْ نفسِيَ وإيّاكمْ بتقْوَى اللهِ العَليّ العظيمِ القائِلِ في مُحكَمِ كِتَابِه: ﴿إنما الصَّدَقَاتُ لِلفُقَراءِ وَالمساكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمؤَلَّفَةِ قُلوبُهُم وفِي الرِّقابِ وَالغَارِمينَ وفي سبيلِ اللهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَريضَةً منَ اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ سورة التوبة /60.
فمَنْ أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّيَ هذهِ الفريضَةَ العَظِيمَةَ كما أمرَ اللهُ، كما جَاءَ في كتابِ اللهِ، فلا يَجُوزُ دفعُ الزكاةِ إِلاَّ إِلَى الأَصنافِ الثَّمانِيَةِ الذينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ في القرءانِ الكريمِ، فَمِنَ الناسِ مَنْ يَظُنُّ بِنَفْسِهِ الفَقْرَ وهُوَ مِنْ حيثُ الشرعُ ليسَ فَقِيرًا أَوْ مِسْكِينًا، فَلِذَلِكَ نَحُثُّـكُمْ وَنُذَكِّرُكُم وننصَحُكم بِالالتزامِ التَّامِّ بِطَاعَةِ اللهِ إنْ فِي الصَّلاةِ أوِ الصيامِ أوِ الزَّكاةِ، وهذا يَحْتَاجُ إلى عِلْمِ الدِّينِ لأدَاءِ هذهِ العِبَادَاتِ كمَا أمرَ اللهُ. وَإِنَّنا نَحْمَدُ اللهَ تعالَى الذي تَفَضَّلَ علينَا فِي هذا الزَّمَنِ بِجَمْعِيَّةٍ طَيِّـبَةٍ، بجمعيةِ المشاريعِ الخيريةِ الإسلاميةِ، والتِي شَمَّرُ رِجالُها عن سَاعِدِ الجِدِّ وَسَاعَدُوا المسلِمِينَ على أداءِ هذهِ الفرائِضِ العَظِيمَةِ بِتَعْليمِهِمْ في المساجِدِ وَالمصَلَّيَاتِ أمورَ الصلاةِ والصيامِ بِمُساعَدَةِ مَنْ وجبَتْ عليهِ الزكاةُ بِدَفْعِ الزكاةِ للمستَحِقِّ. نَعَم فالجمعيَّةُ تأخُذُ على عَاتِقِها أَخْذَ مَالِ الزَّكاةِ مِمّنْ وَجَبَتْ عليهِ وإِيصالَ هذا المالِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ، فمَالُ الزكاةِ لا يُتَصَرَّفُ بِه على خِلافِ ما ذُكِرَ في القرءانِ الكريمِ.
ونذكِّرُكم بِزَكاةِ الفِطرِ وَهِيَ في وَقْتِنَا الحالِي 5 أُويرو وما زادَ منهَا فَصَدَقَةٌ، والتِي تَسْتَطِيعُ أخي المؤمنُ دفعَها وَلَوْ في أوائِلِ هذا الشَّهْرِ الفضيلِ شهرِ رمضانَ المباركِ. واللهَ نسأَلُ التَّوفِيقَ على فِعْلِ الطاعاتِ والخيراتِ. واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يُصَلُّونَ على النَّبِيِّ يَا أيُّهَا الَّذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلِّموا تَسْليمًا﴾. اللّـهُمَّ صَلِّ على سيِّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيِّدِنا محمَّدٍ كمَا صلَّيتَ على سيِّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيِّدِنا إبراهيم وبارِكْ على سيِّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيِّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيِّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيِّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ. يقولُ اللهُ تعالى: ﴿يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُـوا رَبَّكُـم إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عذابَ اللهِ شديد﴾.

اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا، فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ، ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدِينَ غيرَ ضالِّينَ ولا مُضِلِّينَ، اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنّا شَرَّ ما نتخوَّفُ.
عبادَ اللهِ، إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبَى ويَنْهَى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يَذكرْكُمْ واشكُروهُ يَزِدْكُمْ واستغفروهُ يَغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يَجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا. وَأَقِمِ الصلاةَ.

 

There are no translations available.

ماذا أنت فاعل في شهر رمضان

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له، وأشهد أنَّ سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدًا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه، صلى الله عليه وعلى كل رسول أرسله.

الصلاة والسلام عليك يا إمام المتقين يا محمّد، الصلاة والسلام عليك يا أبا الزهراء يا محمّد، يا أبا الزهراء يا أبا القاسم يا قرة عيني وحبّ روحي وفؤادي يا محمّد.

 

أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليّ ِ العظيم القائل في محكم كتابه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ البقرة 153.

هي أيام معدودة قصيرة تمضي كالخيال ويقبل علينا شهر التوبة والرحمة والإحسان والزهد والخيرات والبركات، أيام معدودة تمضي كالخيال ويقبل علينا بإذن الله ربِّ العالمين أفضل الشهور رمضان ، ترى ماذا أنت فاعل في رمضان؟

وبدأت خطبتي اليوم بآية من كتاب الله العظيم فيها الحث على الصبر لأنه لا بدّ لك من الصبر في رمضان لأجل الصيام، لأجل القيام، لأجل صلة الأرحام، لا بدّ لك من الصبر .

 

رمضان شهر التوبة والتقوى فماذا أنت فاعل في رمضان ؟ هل ستكون من المقبلين على الطاعة التائبين الخاشعين الذاكرين أم ستصوم في النهار ونتغمس في المعاصي في الليل بدعوى أنك تريد أن تموه عن نفسك في الليل لأنك صمت في النهار؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

رمضان موعد مع طاعة الله وليس موعدًا مع المغنين والمغنيات، رمضان موعد مع طاعة الله ليستعمل الواحد منا جسده الذي منّ الله تعالى علينا به لنستعمله بطاعة الله.

 

رمضان ليس وقت التنقل بين خمية وخيمة وبين فضائية وفضائية لمشاهدة مسلسل ثم مسلسل ءاخر، رمضان شهر القيام، شهر الاعتكاف في المساجد فهل أنت من المصلين لصلاة التراويح في رمضان أوتشتغل بالقضاء؟ إن كان عليك قضاء صلوات فاتتك بلا عذر؟

رمضان شهر الزهد، والزهد هو قطع النفس عن اتباع المستلذات والمستحسنات وليس شهر التخمة ، فيا عجبًا كيف أن بعض الناس يتوسعون في المستلذات والمطعومات ويأكلون في رمضان ما لا يأكلونه في غير رمضان.

 

من الناس من يشغل فكره منذ الصباح ماذا سيأكل على الإفطار ويشغل معه زوجته بدل أن يشغل نفسه بحضور مجالس علم الدين ويحث زوجته على حضور مجالس علم الدين، منهم من يشغل فكره ووقته وجسده فقط بالتحضير للطعام على الإفطار وبطبق الحلوى بعد الإفطار (وبالكزدورة) التي فيها شرب العصير وغير ذلك ثم يتفنن بعد ذلك بالتحضير للسحور، ورسول الله حثنا على التزود من هذه الدنيا من الخيرات قال عليه الصلاة والسلام: "لا يشبع مؤمن من خير حتى يكون منتهاه الجنة".

 

فماذا أنت فاعل في رمضان؟ هل ستقلل من التنعم وتتذكر فقراء المسلمين الذين تحسبهم من العفة أغنياء؟ هل ستشغل أوقاتك بالنافع المفيد؟ هل ستشغل فكرك ووقتك بتربية أولادك تربية صالحة ليستغفروا لك بعد موتك؟

فتواصوا يا إخواني يرحمكم الله تعالى بترك التنعم إذ الاستمرار كل يوم على تناول الطعام اللذيذ أمر لا خير فيه. أولياء الله لا يشغلون أوقاتهم بتنويع أصناف الطعام والتوسع بلذيذها، أولياء الله الزهد شأنهم وترك التنعم عادتهم.

إخوة الإيمان، إن الغافل من مرّ عليه تعاقب الليل والنهار وتعاقب الأهلة والسنوات وهو لا يقف عند هذا التغير والتبدل إلا ليأكل وينام.

 

إخواني ، إن أيام الدنيا قصار وأيام الآخرة طوال ومهما أكثر الإنسان من الحسنات فإنه ينتفع بها في الآخرة الباقية التي ليس لها نهاية قأقبلوا في شهر رمضان شهر التوبة والرحمة والمغفرة، شهر القراءن، شهر الفتوحات والبطولات إلى الخيرات والبركات وأعمال البر والطاعات وتذكروا أن النبي صلى الله عله وسلم كان أجود ما يكون في رمضان.

 

اللهم أهلّه علينا بالأمن والأمان يا ربّ العالمين، اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغنا حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا وأهلنا ومن الماء البارد وأعنا على القيام والصيام وصلة الأرحام وتعلم وتعليم علم أهل السنة والجماعة بجاه محمد عليه الصلاة والسلام.هذا واستغفر الله لي ولكم .

إن المجلس الإسلامي السويسري يعلمكم أن قيمة زكاة الفطر أقل من 5 فرنكات فمن أراد أن يدفع أكثر من ذلك فلتكن نيته بهذه الزيادة الصدقة لله تعالى.

إننا نذكركم أنه لا يجزئ دفعها إلا للأصناف المذكورة في القرءان الكريم كالفقراء والمساكين، ولا تعطى للأعمال الخيرية كدفعها لبناء المساجد أوالمستشفيات أو لمصالح الجمعيات والمؤسسات الخيرية.

كما لا يجزئ تحويلها عن طريق البنك أو البريد أو الإنترنت، فإما أن يوكل إنسان ثقة لكي يصرفها في مصارفها الشرعية وإما أن تعطى لفقير مباشرة، فمن أراد التوكيل في دفع الزكاة يمكنه التوجه إلى أحد مراكزنا بتسليمها لأحد المسئولين كي يوزعها على المستحقين:

مسجد لوزان

المركز الثقافي الإسلامي السني في جنيف

المركز الإسلامي في نيوشاتيل

المركز الإسلامي في بيان/بيل

المركز الإسلامي في زوريخ

There are no translations available.

السلام عليكم

نعلمكم أن أول يوم من رمضان لعام 1431 هو يوم الأربعاء الموافق ل11 ءاب 2010

أعاده الله علينا وعلى الأمة الإسلامية بالخير واليمن والبركات

تقبل الله طاعاتكم وكل عام وأنتم بخير

أحكام الصيام وثبوت رمضان

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقرة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه، صلى الله وسلم عليه وعلى كل رسول ارسله.

 

أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم القائل في محكم كتابه: {يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} البقرة 183.

 

اخوة الايمان، الصبر ثلاثة انواع: صبر على طاعة الله، وصبر عما  حرم الله، وصبر على ما يصيب العبد من البلاء والمصائب، وتجتمع الثلاثة في الصوم، فإن فيه صبرا على طاعة الله، وصبرا عما حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبرا على ما يحصل للصائم فيه من الم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن.

 

وها نحن اليوم نعد الأيام وننتظر بشوق وشغف شهر الصيام لأداء هذه العبادة العظيمة ولكن المتعبد بلا علم فهو على خطر كبير لا يعرف صلاته صحيحة او حجه صحيح وزكاته وصيامه صحيح ام لا.

 

وقد قال احد الأكابر: "عمل قليل مع معرفة بالعلم خير من كثير مع الجهل" .

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "رب قائم ليس له من قيامه الا السهر ورب صائم ليس له من صيامه الا الجوع والعطش".

 

فصيام رمضان اخوة الايمان وجوبه معلوم من الدين بالضرورة فمن انكر فرضيته فهو كافر الا ان يكون قريب عهد بالاسلام يعني اسلم من جديد او نشأ في بادية بعيدة عن العلماء، اما من افطر في رمضان لغير عذر شرعي وهو يعتقد وجوبه فلا يكفر بل يكون عاصيا وعليه قضاء الايام التي افطر فيها.

 

وثبوت الصيام يكون اما برؤية هلال رمضان او بإكمال شهر شعبان ثلاثين يوما وذلك لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما". ولا عبرة بكلام المنجمين والحُسّاب لثبوت الصيام. فقد قال صلى الله عليه وسلم: "نحن امة امية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا" .

 

ورمضان ايها الاخوة موعد مع طاعة الله ومناسبة للتزود لِما فيه رضا الله. وليس شهر التخمة والنوم والكسل ، رمضان شهر الإقبال على مجالس علم الدين .

 

أما تأسف اخي المسلم انك تسمع اجابة سريعة من بعض الناس اذا ما سألتهم عن اماكن السهر وعن اصناف الاكل والحلويات وغير ذلك، ويندر ما تسمع اجابة اذا ما سألت عن فرائض الصيام والتي هي اثنان : النية والإمساك عن المفطرات. والنية محلها القلب فلا يشترط النطق بها باللسان ، ويجب تبييتها اي ايقاعها ليلا قبل الفجر لكل يوم مع تعيين انه من رمضان يعني لمجرد انك تيقنت من دخول المغرب فنويت صيام اليوم التالي صحت هذه النية. ثم تعاطي المفطرات بعد المغرب وقبل طلوع الفجر من اكل وشرب وجماع وغير ذلك هذا كله لا يؤثر على هذه النية.

 

ويجب الإمساك عن المفطرات عن الاكل والشرب وعن ادخال كل ما له حجم ولو صغيرا الى الرأس او البطن ونحوهما من منفذ مفتوح كالفم والانف (ولو كان ذلك اجزاء صغيرة كدخان السيجارة وبخاخة الربو) والقبل والدبر فمن استعمل الحقنة في الدبر افطر، ويمسك عن هذا كله من الفجر الى المغرب، ومن اكل او شرب ناسيا ولو كثيرا لم يفطر ولو في صيام النفل في صيام التطوع. ففي الحديث الصحيح: "من نسي وهو صائم فأكل او شرب فليتم صومه فإنما اطعمه الله وسقاه" .

 

ومن المفطرات الاستمناء وهو اخراج المني بنحو اليد، ومن المفطرات ايضا الاستقاءة فمن اخرج القيء بطلب منه بنحو ادخال اصبعه في فمه فانه افطر. وأما إن غلبه القيء بدون إرادة منه فلا يفطر إن لم يبلع منه عمدًا.

 

ومن المفطرات الجماع في نهار رمضان فمن فعل ذلك مع العلم والتعمد والاختيار افطر يعني عالما بالحكم غير ناس غير مكره افطر وعليه الكفارة والقضاء.

 

ومما يفسد الصيام ايضا الردة اي الكفر بعد الاسلام سواء كان هذا الكفر بالقول كسب الله او الفعل كالدوس على المصحف او الاعتقاد كاعتقاد ان الله جسم أو أنه يشبه المخلوقات فهذا لا صيام له لأن العبادة لا تصح من كافر، فمن صدر منه ردة في نهار الصيام والعياذ بالله عليه العود فورا الى الاسلام بالنطق بالشهادتين ويمسك بقية النهار وعليه قضاء هذا اليوم بعد يوم العيد فورا.

 

ولا اصل لحديث: "خمس يفطرن الصائم: النظرة المحرمة والكذب والغيبة والنميمة والقبلة"  هذا لا اصل له بل هو مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن بعضها يؤثر على ثواب الصيام.

 

وعليك اخي المسلم بكف بطنك عن المحرمات وقت الافطار وغض بصرك عن النظر المحرم والكلام البذيء المنهي عنه كالكذب والغيبة وهي ذكرك اخاك المسلم بما يكره لغير سبب شرعي بما فيه خلفه. وعليك بكثرة الجود وصلة الرحم وتلاوة القرءان والاعتكاف في المساجد ولا سيما العشر الاواخر من رمضان، ولا تفوت على نفسك دروس العصر اليومية التي تقيمها جمعية المشاريع الخيرية الاسلامية في المساجد والمصليات حتى تزداد معرفة بأحكام الصيام وغير ذلك من احكام دين الله تعالى مما اوجب الله عليك معرفته من علم الدين .

 

اللهم أهّله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لِما يحب ربنا ويرضى .

هذا وأستغفر الله لي ولكم

 

الخطبة الثانية: الترغيب بحضور مجالس علم الدين في رمضان

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله منشرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له والصلاة والسلام على محمد رسول الله وعلى كل رسول أرسله.

أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم القائل في محكم كتابه: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} .

وكم هو عظيم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفلا أحب ان اكون عبدا شكورًا" . وقال الله تعالى: {أيحسب الإنسان أن يُترك سدى} سورة القيامة الآية 36. أي أيحسب الإنسان ان يترك ويخلى مهملا كالحيران فلا يؤمر ولا ينهى ولا يكلف في الدنيا ولا يحاسب بعمله في الآخرة ولا يُجازى ؟

فيا أخي المسلم ، فيا أخي المؤمن ها أنت اليوم يفصل بينك وبين رمضان أيام معدودة فهل بدأت التحضير لرمضان ، هل بدأت التجهيز لرمضان ، ترى عن أي تحضير وعن اي تجهيز نتكلم، فمن الناس بدءوا من اليوم بتحضير لوائح الطعام لكل يوم بيومه والعيد، بل بتحضير اللوائح المتعددة لأصناف كثيرة من الطعام، فهل هذا هو المقصود؟ لا والله، لا والله، لأن رمضان شهر الزهد وكسر النفس والإقبال على الطاعات بهمة عالية.

لذلك اخي المسلم ابدأ من اليوم بتحضير البرنامج النافع المفيد لك ولأهل بيتك ولزوجتك وأولادك وجيرانك، واسأل نفسك اين انا في رمضان وقت الفجر ووقت العصر ووقت العشاء، هذه الأوقات التي نُظمت فيها دروس التفسير والفقه والعقيدة والوعظ والإرشاد.

فالمتعبد بلا علم على خطر كبير لا يعرف صلاته صحيحة او حجه صحيح وزكاته وصيامه صحيح أم لا.

وصدق صلى الله عليه وسلم حين قال: "رب قائم حظه من قيامه التعب، ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش" . وقد قال شيخنا رضي الله عنه وأرضاه: "عمل قليل مع معرفة بالعمل خير من كثير مع الجهل".

فمن باب الأمانة والنصيحة نحثكم على حضور مجالس علم الدين في المساجد والمصليات التي أنارت مناربها ومحاربها جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية بعلم الدين الصافي وبالمنهج المعتدل. من الآن وفي رمضان ايضا وخصوصا دورس العصر في رمضان .

ومع استمرار قبول طلبات السفر للحج والعمر لا بد لنا ان نذكركم بحملة الديوان للحج والعمرة وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم التي يتولى ادارتها نخبة من رجال الجمعية يشهد لهم من حج معهم وعرف ما معنى ان يذهب مع حملة رجالها يخافون الله ويؤدون المناسك على الوجه الموافق لشرع الله تعالى.

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ  ]إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا[ اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدَنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ  على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ]يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد[، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ.عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون .اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

 

ليلة النصف من شعبان والدعاء فيها

 

الحمد لله الرحيم الرحمن ، العزيز المنان ، مشعب الخيرات في شعبان ، والصلاة والسلام على خير الأنام ، ومصباح الظلام ، وشمس دين الإسلام ، سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه ، بدور التمام ما غرد طائر وما ناح على الأيك الحمام  أما بعد .

 

مع إطلالة شهر شعبان المبارك ، تطل شمس الخير لتبثَّ الدفء في قلوب المؤمنين ، استعداداً للعمل الدءوب والجهد المتواصل في شهر العبادة والطاعة لله تعالى عز وجل شهر رمضان المبارك.

وشهر شعبان شهر عظيم عند الله وفيه ليلة عظيمة هي ليلة النصف من شعبان أي ليلة الخامس عشر منه وقد جاء في فضلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها و صوموا نهارها}. رواه ابن ماجه.

 

و روى الإمام مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:{ أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل}. وأكثر ما يبلغ المرء تلك الليلة ان يقوم ليلها ويصوم نهـارها ويتقي الله فيها ويجد في العبادة وتقوى الله معنـاها أداء الواجبات و اجتناب المحرمات. وينبغي للشخص في هذه الليلة كما ينبغي له في سائر الأوقات أن يتذكر أن الموت آت لا محالة وأن الناس سيبعثون و يحشرون ويسألون و يحاسبون فيفوز من آمن واتقى ويخسر من كفر وظلم. فعلى الإنسان أن يعتني كل الاعتناء بالتزود للآخرة بجد واجتهاد زائدين وفي ذلك قال بعضهم:

 

إذا العشرون من شعبان ولت           فواصل شرب  ليلك بالنهار

ولا تشرب بأقـداح صغـار           فقد ضاق الزمان عن الصغار

 

ومرادهم أن الموت آت قريب فعليك أن تتزود لأخرتك من هذه الدنيا بجد زائد وفي ذلك جاء قوله تعالى: "ولا تنس نصيبك من الدنيا ". أي لا تنس نصيبك لأخرتك من دنياك فمن تزود لأخرته من هذه الدنيا فهو المتزود ومن فاته التزود للآخرة من هذه الدنيا فقد فاته التزود إذ لا تزود بعد الموت. ولا بد من التذكير هنا أيضا بأن طلب العلم الشرعي الضروري فرض واجب على كل مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "طلب العلم فريضة على كل مسلم" رواه البيهقي. فإن من لم يتعلم علم الدين وقع في الحرام شاء أم أبى.

أما حديث "رجب شهر الله وشعبان شهري و رمضان شهر أمتي " وحديث "رجب شهر الاستغفار و شعبان شهر الصلاة على النبي ورمضان شهر القرءان فاجتهدوا رحمكم الله " فلا أصل لهما.

وأما قراءة سورة يس في هذه الليلة ففيه ثواب كما في سائر الأوقات ولكن لم يرد عن رسول الله انه يستحب قراءتها في هذه الليلة خاصة، وينبغي أن لا يعتقد أنها هي الليلة التي يقول الله فيها: "فيها يفرق كل أمر حكيم" سورة الدخان. وإن كان شاع عند بعض العوام أن هذه الليلة هي ليلة النصف من شعبان فهذا غير صحيح والصواب أن هذه الليلة هي ليلة القدر ومعنى: " فيها يفرق كل أمر حكيم " أن الله تعالى يطلع ملائكته في هذه الليلة ليلة القدر على تفاصيل ما يحدث في هذه السنة إلى مثلها من العام القابل من موت وحياة وولادة وأرزاق ونحو ذلك.

 

قال الله تعالى: " كل يوم هو في شأن " سورة الرحمن. فسر الرسول هذه الآية بقوله: " يغفر ذنباً ويكشف كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين ". ويوافق هذا قول الناس " سبحان الذي يغير ولا يتغير" وهو كلام حسن جميل إذ التغير في المخلوقات وليس في الله ولا في صفاته. ومما ينبغي التحذير منه دعاء اعتاد بعض الناس على ترداده في هذه الليلة وهو:" اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب محروما أو مطروداً أو مقتراً علي في الرزق فامح اللهم بفضلك شقاوتي وحرماني وطردي وإقتار رزقي …الخ. فهذا اللفظ روي بعضه عن عمر وابن مسعود و مجاهد ولم يثبت، لأن من يعتقد أن الله يغير مشيئته بدعوة داع فقد فسدت عقيدته فإن مشيئة الله أزلية أبدية  لا يطرأ عليها تغير ولا تحول كسائر صفاته، علمه، وقدرته وتقديره وغيرها فلا يجوز أن يعتقد الإنسان أن الله يحدث له مشيئة شىء لم يكن شائيا له في الأزل كما لا يجوز أن يقال انه حدث له علم شىء لم يكن عالما به في الأزل فلا تتغير مشيئة الله بدعوة داع أو صدقة متصدق أو نذر ناذر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن النذر لا يرد من قدر الله وإنما يستخرج به من البخيل" رواه مسلم. فما علم الله وشاء في الأزل كونه لابد أن يكون ولا يتغير ذلك، وما علم أنه لا يكون فلا يدخل في الوجود.

 

وأما قول الله تعالى: " يمحوا الله ما يشاء و يثبت " فمعناه أن الله يمحو ما يشاء من القرءان ويرفع حكمه وينسخه ويثبت ما يشاء من القرءان فلا ينسخه وليس المراد به أن الله يغير مشيئته لدعوة أو صدقة أو نذر أو غير ذلك.

فلو كان الله يغير مشيئته بدعوة  لغيرها لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث إن الرسول قال : " سألت ربي أربعا فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة, سألته أن لا يكفر أمتي جملة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلكهم بما أهلك به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم فيستأصلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها". رواه الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبي هريرة.

 

وروى مسلم عن ثوبان هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : " سألت ربي ثلاثا فأعطاني ثنتين و منعني واحدة " و في رواية  " قال لي يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد "

وسبحان الله والحمد لله رب العالمين.

 

الخليفةُ الراشدُ سيّدُنا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه ونَسْتَغْفِرُه ونَتُوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِنْ سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فَلا مُضلَّ لهُ ومَن يُضللْ فَلا هاديَ لهُ. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مَثيلَ لهُ، هوَ الخالقُ الذي أبرزَ وكوَّنَ جميعَ المخلوقاتِ مِنَ العدَمِ إلى الوجودِ وقدْ صَـدَقَ اللهُ بقولِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية. سورة الرعد/16. هوَ اللهُ الرَّازِقُ الذِي يُوصِلُ الأَرْزَاقَ إلَى عِبَادِهِ، وَقَدْ صَدَقَ اللهُ بقولِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ سورة الذاريات/58. هوَ اللهُ العالِمُ بالسَّرَائِرِ والخَفِيَّاتِ التي لا يُدْرِكُهَا عِلْمُ المَخْلُوقاتِ. هوَ الخَالقُ الذِي لا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَقَدْ صَدَقَ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الآيةَ. سورة الممتحنَة/10.

وأَشْهَدُ أنَّ سيِّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرَّةَ أعينِنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه، هوَ محمَّدٌ رسولُ رَبِّ العالمينَ، هُوَ حَبِيبُ رَبِّ العالمينَ هوَ محمَّدٌ سيِّدُ الجنِّ والإِنْسِ أَجْمَعينَ، هوَ مُحَمَّدٌ سيِّدُ الأنبِيَاءِ والمُرْسَلِينَ، فَيَا عِزَّنا بمحمّدٍ، ويَا عِزَّنا بِدِينِ محمَّدٍ، وَيَا عِزَّنا بشَرْعِ محمّدٍ، ويَا عِزَّنا بالطيّبينَ الطاهِرِينَ مِنْ أَصْحَابِ محمّدٍ، ويا عزَّنا بالأئمَّةِ الأعلامِ الذِينَ سَارُوا عَلى دَرْبِ محمّدٍ. اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِكْ على سيِّدِنا محمّدٍ، ولَكَ الحمدُ يا اللهُ أنْ جعلْتَنا على دِينِ محمَّدٍ ومِنْ أتباعِ محمّدٍ ومِن أمّةِ محمّدٍ.

أمّا بعدُ عُشّاقَ محمّدٍ، فإني أحبُّكم في اللهِ ورَبِّ محمَّدٍ وأُوصيكم ونفْسِيْ بتقوَى اللهِ العَليِّ القديرِ الذي أنزَلَ على قلْبِ حبيبِهِ محمّدٍ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ سورة الأحزاب/23.

مِنَ المؤمنينَ رِجَالٌ صدَقوا ما عاهدُوا اللهَ عليهِ. وَكَلامُنا اليَوْمَ بِإِذْنِ اللهِ رَبِّ العالمينَ عنْ رَجُلٍ مِنْ هؤلاءِ الرِّجالِ الرِّجالِ حَسَنِ الخلْق والخُلُقِ، حَرِيصٍ على العَدْلِ، وَافِرِ العِلْمِ، فقيهِ النفْسِ، طَاهِرِ الذَّكَاءِ والفَهْمِ، أَوَّاهٍ مُنِيبٍ، قَانِتٍ للهِ نَاطِقٍ بِالحَقِّ مَعَ قلِّةِ المُعِينِ عُدَّ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالعُلَمَاءِ العامِلينَ، وَهُوَ أَوَّلُ مُجَدِّدٍ كَانَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ هوَ عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ الإِمَامُ الحافِظُ العَلاَّمَةُ المُجْتَهِدُ الزَّاهِدُ العَابِدُ رَحِمَهُ اللهُ وَرَضِيَ عنهُ.

كانَ رضيَ اللهُ عنهُ أَبْيَضَ رَقِيقَ الوَجْهِ جَمِيلاً نَحِيفَ الجِسْمِ حَسَنَ اللحيَةِ غَائِرَ العَيْنَيْنِ بِجَبْهَتِهِ أَثَرُ حَافِرِ دَابَّةٍ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَشَحَّ بَنِي أُمَيَّةَ.

عُمَرُ بنُ عَبْدُ العَزِيزِ بَكَى وهوَ غُلامٌ صَغِيرٌ فأَرْسَلَتْ إلَيْهِ أُمُّهُ وَقَالَتْ مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: "ذَكَرْتُ المَوْتَ". ذَكَرَ المَوْتَ فَبَكَى.

وفي زَمَنِ خِلافَتِهِ كَانَتِ الغَنَمُ وَالذِّئَابُ تَرعَى في مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَلَقَدْ جَاءَ في كِتَابِ حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ أَنَّ رَجُلاً قَالَ كُنْتُ أَحْلبُ الغَنَمَ في خِلافَةِ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ فَمَرَرْتُ بِرَاعٍ وفي غَنَمِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلاثِينَ ذئبًا فَحَسِبْتُها كِلابًا وَلَمْ أَكُنْ رَأَيْتُ الذِّئَابَ قَبْلَ ذلكَ فَقُلْتُ: يَا رَاعي مَا تَرْجُو بِهذِهِ الكِلابِ كُلِّهَا ؟ فَقَالَ: يا بُنَيَّ إِنَّها لَيْسَتْ كِلابًا إِنَّمَا هِيَ ذِئَابٌ. فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ ذِئْبٌ في غَنَمٍ لا تَضُرُّها ؟ فَقَالَ: "يَا بُنَيَّ إذَا صَلَحَ الرَّأْسُ فَلَيْسَ عَلَى الجَسَدِ بَأْسٌ".

دخلَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وهوَ أميرُ المؤمنينَ دخلَ على امرأتِهِ فاطمةَ بنتِ عبدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَائِلاً لَهَا: عِنْدَكِ دِرْهَمٌ أَشْتَرِي بِهِ عِنَبًا ؟ قَالَتْ: لا، قَالَ: عِنْدَكِ فُلُوسٌ أَشْتَرِي بِهَا عِنَبًا ؟ قالَتْ: لا، فأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ: أَنْتَ أَمِيرُ المؤمنينَ لا تَقْدِرُ عَلَى دِرْهَمٍ وَلا فُلُوسٍ تَشْتَرِي بِهَا عِنَبًا ؟ قَالَ: هَذَا أَهْوَنُ عَلَيْنَا مِنْ مُعَالَجَةِ الأَغْلالِ غَدًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ.

وعنْ مُسْلِمَةَ بْنِ عَبْدِ الملِكِ قالَ: دَخَلْتُ على عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ أَعُودُهُ في مَرَضِهِ فإذا عَلَيْهِ قَمِيصٌ وَسِخٌ فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الملِكِ يا فاطِمَةُ اغْسِلِي قَمِيصَ أَمِيرِ المؤمنينَ، قَالَتْ: نَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ ، ثم عُدْتُ فإذَا القَمِيصُ على حالِهِ، فَقُلْتُ يَا فَاطِمَةُ ألَمْ ءَامُرْكُمْ أنْ تَغْسِلُوا قَمِيصَ أَمِيرِ المؤمِنِينَ ؟ فَإِنَّ الناسَ يَعُودُونَهُ. قَالَتْ: واللهِ مَا لَهُ قَمِيصٌ غيرُهُ.

ويُرْوَى عنهُ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّه قالَ: " أَلاَ إِنَّ الدنيا بَقَاؤُها قَلِيلٌ وَغَنِيُّها فَقِيرٌ فلا يَغُرَّنَّكُمْ إقبالُها معَ معرفتِكُمْ بِسُرْعَةِ إِدْبَارِها، والمغرُورُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا، أَينَ سُكَّانُها الذِينَ بَنَوْا مَدَائِنَها وَأَقَامُوا فيهَا أَيَّامًا يَسِيرَةً غَرَّتْهُمْ بِصِحَّتِهم وَغُرُّوا بِنَشَاطِهِمْ فَرَكِبُوا المعاصِيَ مَا صَنَعَ التُّرابُ بِأَبْدَانِهِم، والرَّمْلُ بأَجْسَادِهِم ؟ والدِّيدَانُ بِعِظَامِهِم وَأَوْصَالِهِم؟ كانُوا في الدنيا على أَسِرَّةٍ مُمَهَّدَةٍ بَيْنَ خَدَمٍ يَخدِمُونَ وأهلٍ يُكْرَمُونَ وجيرانٍ يَعْضِدُونَ فإذا مَرَرْتَ فنادِهِمْ إِنْ كُنْتَ مُنَادِيًا وَسَلْ غنيَّهُمْ ما بَقِيَ مِنْ غِنَاهُ وَسَلْ فقيرَهمْ مَا بَقِيَ مِنْ فَقرِهِ، وسَلْهمْ عنِ الجُلودِ الرَّقيقَةِ والوُجُوهِ الحَسَنَةِ فكمْ مِنْ نَاعِمٍ وَنَاعِمَةٍ أصبَحُوا وَوُجُوهُهُم بَالِيَةٌ وَأَجْسَادُهُمْ مِنْ أَعْنَاقِهِم نَائِيَةٌ وأَوْصَالُهُم مُمَزَّقَةٌ قَدْ سَالَتِ الحِدَقُ على الوَجَنَاتِ وَامْتَلأَتِ الأَفْوَاهُ دَمًا وَصَدِيدًا وَدَبَّتْ دَوَابُّ الأَرْضِ في أَجْسَادِهِمْ فَفَرَّقَتْ أَعْضَاءَهُم ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُوا وَاللهِ إلاَّ يَسِيرًا حَتَّى عَادَتِ العِظَامُ رَمِيمًا".

إخوةَ الإيمانِ، إنَّ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ رَدَّدَ مِرارًا قولَ اللهِ تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ سورة القصص 83.

أيُّها الأحبّةُ، كمْ هُوَ عظيمٌ أنْ نَقْتَدِيَ بهؤلاءِ الرجالِ، وَعِنْدَ سَمَاعِ سِيَرِهِمْ ومَنَاقِبِهمْ نَزْدَادُ وَرَعًا وإقبالاً على الآخرةِ وإدبارًا عن هذهِ الدنيا الفانيةِ، واللهُ تعالى يقولُ: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ سورة الأعلى/17.

اللهمَّ زَهِّدْنا في هذهِ الدنيا وأَخْرِجْنا منهَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ. هذا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.

الخُطبةُ الثانيةُ

إنّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهْدِيهِ ونشكُرُهُ ونستغفرُهُ ونتوبُ إليهِ ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفُسِنا ومنْ سيّئاتِ أعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِيَ لهُ. والصّلاةُ والسّلامُ عَلَى سيِّدِنا محمّدِ رَسُولِ اللهِ وعلى ءالِهِ وصحبِهِ ومَنْ والاهُ .

أَمّا بَعْدُ عِبادَ اللهِ، فَإني أوْصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ القَديرِ القائلِ في مُحْكَمِ كتابِهِ: ﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ الآيةَ. سورةُ ءالِ عِمْرَان/185.

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ:

﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا﴾ سورة الأحزاب/56.  اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الناسُ اتقـوا ربَّكـم إنَّ زلزلةَ الساعةِ شىءٌ عظيمٌ يومَ ترونَها تذهَلُ كلُّ مرضعةٍ عما أرضَعت وتضعُ كلُّ ذاتِ حملٍ حملَها وترى الناسَ سُكارى وما هم بسُكارى ولكنَّ عذابَ اللهِ شديد﴾ سورة الحج /1ـ2.

اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ.عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يُثِبْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ، واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

 

 

مُعجزةِ الإسراءِ و جوازِ التبركِ

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدًا عبده ورسوله من بعثه الله رحمة للعالمين هاديًا ومبشرًا ونذيرا بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيًا من أنبيائه صلوات الله وسلامه عليه وعلى كل رسول أرسله ،أما بعد فيا عباد الله  أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العليّ العظيم وأستفتح بالذي هو خير وإن خير الكلام كلام الله يقول ربنا عز وجل في محكم التنـزيل: ﴿يا أيُّها الذينَ ءامنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.

إخوةَ الإيمانِ … لَمَّا وَصَلَ الرَّسولُ إلَى المراتِبِ العَالِيةِ والدَّرجاتِ الرفيعَةِ في المعرَاجِ أوحَى اللهُ لَهُ بِمَ أُشَرِّفُكَ فقالَ: بأَنْ تَنْسبَنِي إلى نفسِكَ بالعُبودِيَّةِ فأنزَلَ اللهُ قولَهُ: ﴿سبحانَ الذِي أسرَى بعبدِه ليلاً منَ المسجِدِ الحرامِ إلَى المسجِدِ الأقصَا الذِي بارَكْنا حولَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتِنَا إنَّهُ هُوَ السّميعُ البَصِيرُ معناهُ أنَّ هذهِ النِّسْبَةَ نسبةَ النبيِّ إلى ربِّهِ بِوَصْفِ العُبودِيَّةِ غايَةُ الشَّرَفِ للرَّسولِ لأنَّ عبادِ اللهِ كثيرٌ فَلِمَ خَصَّهُ في هذهِ الآيةِ بِالذِّكرِ، ذلكَ لِتَخْصِيصِهِ بِالشَّرفِ الأَعْظَمِ فَاللهُ تعالَى أكرَمَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ بِمَا فاقَ بهِ النبيينَ كلَّهُم وَكانَ مِنْ جُـمْلَةِ معجزاتِه عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ مُعجِزَةُ الإِسراءِ وَالمِعْرَاجِ التِي زادَ اللهُ تعالَى بِهَا نَبِيَّهُ تَشْرِيفًا فَمُعْجِزَةُ الإِسْرَاءِ ثَابِتَةٌ بِنَصِّ القُرْءانِ وَالحدِيثِ الصَّحيحِ، فيَجِبُ الإيمانُ بأَنَّ اللهَ أسرَى بالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلّم ليلاً مِنْ مكةَ المكرَّمَةِ إلى المسجِدِ الأَقْصَى رَزَقَنَا اللهُ تعالى الصلاةَ فيهِ وفي المسجدِ الحرامِ وَمَسْجِدِ الرَّسولِ صلى اللهُ عليه وسلم وشرَّفَ وَكَرَّمَ.

إخوةَ الإيمانِ، أجمَعَ أهلُ الحقِّ مِنْ سَلَفٍ وَخَلَفٍ وَمُحَدِّثِينَ وَمُتَكَلِّمِينَ وَمُفَسِّرينَ وعلماءَ وَفُقَهَاءَ علَى أَنَّ الإِسْراءَ كَانَ بالجسَدِ وَالرُّوحِ وَفِي اليَقَظَةِ وَهَذَا هُوَ الحَقُّ وهو قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ وعُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وغيرِهم مِنَ الصَّحابَةِ وقولُ الإمامِ أحمَدَ وغيرِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ. فلا خلافَ إذًا في الإسراءِ بهِ صلى الله عليه وسلّم إذ فيه نصٌّ قُرْءَانِيٌّ. فلذلكَ قالَ العُلماءُ إنَّ مَنْ أَنْكَرَ الإِسراءَ فَقَدْ كَذَّبَ القُرْءَانَ وَمَنْ كَذَّبَ القُراءنَ فقد كفرَ. وكانَ قَدْ شُقَّ صَدْرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم قبل أن يُسْرَى بِهِ ليلاً من بَيْتِ أُمِّ هَانِئ مِنْ مكةَ المكرَّمَةِ منَ المسجِدِ الحرامِ شُقَّ صدرُهُ وَغُسِلَ بِماءِ  زَمزمَ ومُلِئَ ِحكْمَةً وَإِيمَانًا.

أتاهُ جبريلُ بدابَّةٍ بيضاءَ أتاهُ بِالبُراقِ الذِي أصابَهُ هَزَّةٌ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ بِرسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، وانطَلَقَ البُراقُ يَهْوِي برسولِ اللهِ يقَعُ حافِرَهُ حيثُ أدرَكَ طَرْفُهُ وَوَصَلَ إلَى يثرِبَ فَنَزَلَ وصَلَّى ثم إلى طورِ سيناءَ فنَـزَلَ وصلَّى ثم إلى بيت لحمٍ حيثُ وُلِدَ عيسى المسيحُ عليهِ السلامُ وَصَلَّى في بيت لحم وهنا لا بد لَنَا أَنْ نُبَيِّنَ إخوَةَ الإيمانِ أنَّ ما فعَلَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في بيت لحم هذا تبرُّكٌ لأنَّ هذهِ البقعَةَ صارَ لَهَا شَرَفٌ وَهِيَ مُبَارَكَةٌ لِوِلادَةِ عيسَى عليه السلامُ فيهَا فنَحْنُ إذا ذَهَبْنَا إلَى قُبُورِ الأنبياءِ وَالأَوْلِيَاءِ وَدَعَوْنَا اللهَ تعالَى لِيُعْطِيَنَا البَرَكَةَ نَكُونُ قد وافَقْنَا عَمَلَ الرسولِ بِصَلاتِه في بيت لحم.

وصَلَ إلى الأَقْصَى صلى الله عليه وسلم، وصلَ إلى الأَقصَى المبارَكِ، وَصَلَ إمامُ الأنبياءِ خاتَمُ الأَنْبياءِ سيدُ الأنبياءِ لِيَقِفَ إِمَامًا بِالأَنْبِيَاءِ وَالْمُرسَلِينَ صلواتُ اللهِ عليهِمْ أجمَعين.

لأنَّ اللهَ تعالَى جَمعُهم لِحَبِيبِهِ محمدٍ تشريفًا وتعظيمًا له صلى الله عليه وسلم وَمِنْ عَجَائِبِ مَا رَأَى صلى الله عليه وسلم في الإِسرَاءِ الدُّنيا بِصورَةِ عَجوز فهذِهِ الدنيا مَهْمَا تَزَيَّنَتْ فَهِيَ إلَى الزَّوالِ وَرسولُ اللهِ وَصَفَها أنَّهَا كالشَّمسِ إذا تدَلَّتْ نحوَ الغُروبِ معناهُ ما مَضى أكثَرُ مِمَّا بَقِيَ، ورأَى شيئًا مُتَنَحِّيًا عَنِ الطَّريقِ يَدعوهُ وهوَ إِبْلِيسُ وكانَ مِنَ الجِنِّ المؤمنينَ في أوَّلِ أمرِهِ ثمَّ كفَرَ لاعتِراضِه على اللهِ. قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلمَلائِكَةِ اسجُدُوا لآدمَ فَسجَدُوا إلاَّ إبليسَ كانَ مِنَ الجِنِّ ففَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وقالَ تعالَى: ﴿إلاَّ إبليسَ أبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الكَافِرينَ صدَقَ اللهُ العَظِيم. وَشَمَّ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم رائحَةً طَيِّبَةً من قبرِ ماشِطَةِ بِنْتِ فِرعونَ وكانت مُؤْمِنَةً صالِحَةً وجاءَ في قِصَّتِها أنَّها بَيْنَمَا كانت تمشطُ رأسَ بِنْتِ فِرعونَ سَقَطَ المِشْطُ مِنْ يَدِهَا فقالَتْ بِاسْمِ اللهِ فسأَلَتْها بنتُ فرعونَ: أوَلَكَ رَبٌّ إلهٌ غيرُ أبِي؟ فقالَتِ الماشِطَةُ: رَبِّي وَرَبُّ أبيكِ هُوَ اللهُ، فأخبَرَتْ أَبَاهَا فَطَلبَ مِنْهَا الرُّجوعُ عن دِينِها فأبَتْ فَحَمَّى لَها مَاءً فَأَلْقَى فِيهِ أولادَها ثمَّ كلَّمَها طِفْلٌ لَهَا رَضِيعٌ قبلَ أَنْ يَرْمِيَهُ: يا أُمَّاهُ اصبِرِي فَإِنَّ عَذَابَ الآخِرَةِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا فَلا تَتَقَاعَسِي فَإِنَّكِ عَلَى الحَقِّ، فقالَتْ لِفِرْعَونَ لِي عندَكَ طَلَبٌ أَنْ تَجْمَعَ العِظامَ وتدفِنَهَا فقالَ لَكِ ذلكَ فأَلْقَاهَا فيهِ وَقَدْ ماتَتْ شهيدةً هِيَ وَأولادُهَا.

ومِنْ عَجَائِبِ ما رَأَى الرَّسولُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في الإِسراءِ:

أناسٌ تُقرَضُ أَلْسِنَتُهم وشِفَاهُهُمْ بِمَقارِيضَ مِنْ نَارٍ، قالَ لَهُ جِبريلُ: هؤلاءِ خُطَباءُ الفتنةِ، يعنِي الذينَ يخطبونَ لِلشَّـرِّ والفِتْنَةِ، أي يَدعونَ الناسَ إلى الضَّلالِ والفَسادِ والغَشِّ والخِيانةِ.

ورأَى ثَوْرًا يَخْرُجُ مِنْ مَنْفَذٍ ضَيِّقٍ ثُمَّ يُرِيدُ أن يعودَ فلا يَسْتَطِيعُ أن يَعُودَ إلَى هذا المنفذِ، فقالَ له جبريلُ: هذا الذِي يتكلَّمُ بالكلمَةِ الفَاسِدَةِ التِي فيهَا ضَرَرٌ عَلَى الناسِ وَفِتْنَةٌ، ثمَّ يُريدُ أن يَرُدَّها فلا يَستطيعُ. ورأَى أُنَاسًا يَسْرَحُونَ كَالأَنْعامِ عَلَى عوراتِهم رِقَاعٌ (أي سُتَرٌ صَغيرَةٌ) قالَ لهُ جبريلُ: هؤلاءِ الذينَ لا يُؤدُّونَ الزَّكاةَ ورأَى قَوْمًا تُرْضَخُ رُؤُوسُهُمْ ثُمَّ تعودُ كما كانَتْ فقالَ جبريلُ: هؤلاءِ الذينَ تتَثَاقَلُ رُؤوسُهم عن تأديَةِ الصلاةِ. وَرَأَى قَوْمًا يَتَنَافَسُونَ علَى اللحْمِ الْمُنْتِنِ ويترُكونَ اللحمَ الجيِّدَ الْمُشَرَّحَ فقالَ جبريلُ: هؤلاءِ أناسٌ مِنْ أُمَّتِكَ يَتْرُكونَ الحلالَ فَلا يَطْعَمُونَه ويأتُونَ الحرَامَ الخبِيثَ فَيَأْكُلُونَهُ وَهُمُ الزُّنَاةُ. ورأَى أُنَاسًا يشربُونَ مِنَ الصَّديدِ الخارِجِ مِنَ الزُّناةِ، قالَ لَهُ جبريلُ: هؤلاءِ شارِبُو الخمرِ الْمُحَرَّمِ في الدنيا. ورأَى قَوْمًا يَخْمِشُونَ وجوهَهُم وَصُدورَهُمْ بأظفَارٍ نُحاسِيَّةٍ، قالَ لَه جبريلُ: هؤلاءِ الذينَ كانُوا يَغْتَابونَ النَّاسَ.

نسأَلُ اللهَ تعالَى أن يُعيدَ علينَا هذهِ الذِّكرَى العَظيمَةَ بالأَمنِ والأمانِ. هذا وأستغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم.

الخطبة الثانية:

إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ سُبحانَه وتَعالَى وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّـئَاتِ أَعْمَالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه صلَّى اللهُ عليهِ وعلى كلِّ رسولٍ أرسلَه.

أما بعد عبادَ اللهِ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ ونفسِيَ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العظيمِ. واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ﴿يا أيُّها الناسُ اتَّقـوا رَبَّكـُم إنَّ زلزَلَةَ الساعَةِ شَىءٌ عَظِيمٌ يومَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملَها وَتَرَى الناسَ سُكارَى ومَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عذابَ اللهِ شَديدٌ، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فبجاه محمّد استجبْ لنا دعاءَنا، اللهم بجاه محمّد اغفرِ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّـهُمَّ بجاه محمّد اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ، اللّـهُمَّ بجاه محمّد استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

 

There are no translations available.

al-Isra wa al-Mi^raj CIS

تركُ التباغضِ والتدابرِ والحسدِ

 

إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ سُبحانَه وتَعالَى وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّـئَاتِ أَعْمَالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له ولا مثيلَ له ولا ضِدَّ ولا نِدَّ ولا هيئَةَ ولا صُورَةَ ولا أعضاءَ ولا جِسمَ ولا كيفِيَّةَ ولا جهةَ ولا مكانَ له، أحمدُه سبحانَهُ أن جعَلَ في قُلوبِنا التنـزيهَ، أحمَدُهُ سبحانَهُ أن جَعَلَ في قُلوبِنا التوحِيدَ، وأسأَلُهُ سبحانَهُ أن يُثَبِّتَ قلوبَنا على عقيدَةِ التَّوحيدِ والتَّنـزيهِ.

وأشهدُ أنَّ سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنَا وقائِدَنا وقُرَّةَ أعيُنِنَا مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وَصَفِيُّهُ وحبيبُهُ، من بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالَمِينَ هَادِيًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ، فَبَلَّغَ الرسالةَ وأَدَّى الأَمانَةَ وَنَصَحَ الأمّةَ، فجزاكَ اللهُ عنا يا سَيِدي يا رسولَ اللهِ خيرَ ما جزى نبيًا من أنبيائِهِ، الصلاةُ والسلامُ عليك يا سيدي يا علمَ الهدَى ويا بَدْرَ الدُّجَى ويا سَيِّدَ الأنبياءِ وإمامَ الأتقياءِ ويا شمسَ الشُّموسِ ويا بَدْرَ البُدورِ ويا قَمَرَ الأَقمارِ يا مُحمد صلى اللهُ وسلم عليكَ وعلى إخوانِك الأنبياءِ والمرسلينَ.

أما بعدُ عبادَ اللهِ، فإِني أحبُّكُم في اللهِ وأحُثُّكُم على طاعةِ اللهِ وأُوصِيكُم ونفسِي بتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العظيمِ القائِلِ في كتابِهِ القُرءانِ العظيمِ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . ءاخِذِينَ مَا ءاتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ سورة الذاريات/15-16 .

إِنَّ مَا أنزَلَهُ اللهُ تعالَى على عبدِه وحبيبِه محمدٍ حقٌّ وصدقٌ لا ريبَ وإنَّ وعدَ اللهِ لا يُخْلِفُهُ اللهُ وإنَّ العبدَ الصالِحَ التَّقِيَّ حبيبَ اللهِ جَزَاؤُهُ عندَ اللهِ عظيمٌ.

﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ . هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ . مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ . ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ . لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ سورة ق/31/32/33/34/35.

فنعيمُ الجنةِ أفضَلُ مِنْ نعيمِ الدُّنيا، نعيمُ الجنةِ أَدْوَمُ مِنْ نَعِيمِ الدنيا، نعيمُ الجنةِ أعظَمُ مِنْ نعيمِ الدُّنيا، ونعيمُ الدُّنيا كَلا شَىءٍ بالنسبةِ لنعيمِ الجنَّةِ. فاعمَلْ لتكونَ تقيًا عندَ اللهِ واعلَمْ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أخبَرَ في حديثِه الشريفِ: "أَلا وَإِنَّ في الجسدِ مُضغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسَدُ كُلُّه وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ القَلْبُ" .

فإِيَّاكَ وأمراضَ القُلوبِ، إياكَ والرياءَ والعُجْبَ وَالتَّكَبُّرَ والْحَسَدَ وَالْحِقْدَ، فقد قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "لا تَبَاغَضُوا وَلا تَحَاسَدُوا ولا تَدابَرُوا وَكُونُوا عِبادَ اللهِ إِخْوانًا".

فَمِنْ أَمْراضِ القَلْبِ الحسَدُ وَالتَّباغُضُ وهذا ضَرَرٌ كبيرٌ لأنهُ خِلافُ التَّعاوُنِ على البِرِّ والتَّقوَى لأنَّ المسلمينَ إذا تَحاسَدُوا وتباغَضُوا يَتَقاعَسُونَ عنِ البِرِّ. فالحسَدُ المحرَّمُ هو تَمَنِّي زوال النعمةِ عنِ المسلِمِ معَ السَّعيِ لذلكَ بِالقَوْلِ أو بالفِعْلِ بالبَدَنِ. أما إذا لم يَقْتَرِنْ بهِ ذلكَ فليسَ فيهِ معصيةٌ، فالذِي يَتَمَنَّى أنْ تزولَ النِّعمةُ عن شخصٍ مسلمٍ وتتحَوَّلَ إليهِ لأنَّ لهُ مَالاً حَلالاً كَثِيرًا مَثَلاً أو لأنَّ لهُ زوجَةً جميلَةً أو لأن لهُ أولادًا كثيرِينَ مُطيعِينَ أو لأنَّ له صفاتٍ جميلةً فيكرَهُ لهُ هذا وَيَتَمَنَّى أَنْ لو صارَتْ إليهِ هذهِ النعمَةُ ثم يَسْعَى في هذا الشىءِ فقد وقَعَ في الحسَدِ الْمُحَرَّمِ.

فالأمرُ الذِي يُعِينُ على الخلاصِ منَ التباغُضِ والتَّحاسُدِ والتدابُرِ هو مخالَفَةُ النفسِ، مُخَالَفَةُ النَّفسِ تُعِينُ على مَا يُرْضِي اللهَ، فهؤلاءِ الأولياءُ ما صارُوا أولياءَ إلا بِمُخَالَفَةِ النَّفسِ هَواها، فَلأَنَّ الكثيرَ مِنَ الناسِ لا يُخالِفُ هواهُ، لا يُخالِفُ نفسهُ، ينجرِفُ إلَى ما حَرَّمَ اللهُ فتَرَى بعضَهم يُدْبِرُ عن أخيهِ، يُوَلِّي ظهرَه للمسلمِ، يُوَلِّي ظهرَه لأخِيهِ المسلمِ بل منهم لشَقِيقِهِ المسلِمِ أي يُوَلِّي ظهرَه لأخيهِ مِنْ أمِّهِ وأبيهِ، لِمَ ؟ لأمرٍ دُنيَوِيٍّ تافِهٍ فلا يُحَكِّمُ شَرْعَ اللهِ ولا يُخالِفُ نفسَهُ ولا يُخالِفُ هواهُ بَلْ يَنْجَرِفُ إلى ما يُوَسْوِسُ لَهُ شيطانُه والعياذُ باللهِ تعالَى. هذا يُقْبِلُ إليهِ وذاكَ يُدْبِرُ عنهُ لِلإِشعارِ بأنَّهُ يَكْرَهُهُ أو يَصْرِفُ ذاك وجهَه إلى النَّاحِيَةِ الأُخرَى وهذا فيهِ إيذاءٌ لِلمسلمِ.

وقد قيلَ إنَّ الحسَدَ هوَ أولُ معصيةٍ عُصِيَ اللهُ بِها في الجنةِ أي حَسَدُ إبليسَ لنبيِّ اللهِ ءادمَ عليهِ السلامُ، وأولُ معصيةٍ عُصِيَ بِها في الأرضِ أي حسدُ قابيلَ هابيلَ ثم قَتْلُ قابِيلَ لهابيلَ.

إخوةَ الإيمانِ، إنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم يَحُضُّنا على المبادَرَةِ إلى الخيراتِ وعلى قَضاءِ حوائِجِ بعضِنا البعض ويحضُّنا على الازديادِ منَ الخيرِ، فالحرِيُّ بنا بدَلَ التباغُضِ والتَّحَاسُدِ والتَّدَابُرِ لِمَنْ كانَ يَحْصُلُ منهُ هذا أنْ نُنَفِّسَ كُرُباتِ المكروبِينَ وَأَنْ نُيَسِّرُ على المعسِرِينَ وأَنْ نَقْضِيَ حوائِجَ المحتاجِينَ. وقَدْ قالَ عليهِ الصلاة والسلام: "لا تَحْقِرَنَّ منَ المعروفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أخَاكَ بوَجْهٍ طَلق" رواهُ مسلمٌ.

وهذا مِنْ أسهَلِ الحَسَنَاتِ أن تَلْقَى أخاكَ المؤمِنَ بِوَجْهٍ طَلقٍ بَشُوشٍ فَيَدخُل السُّرورُ إلَى قلبِهِ، وَزِيارَتُكَ لأخِيكَ المسلمِ المريضِ قَدْ تُخَفِّفُ شيئًا من ءالامِه، وسؤالُكَ عن أخيكَ البَائِسِ قد يُزِيلُ عنهُ شَيْئًا مِنْ هُمومِه وأحزانِهِ، وإِعانَتُكَ لأَخيكَ المحتاجِ تُدخِلُ الفَرَحَ وَالبَهْجَةَ إلى قلبِه.

اللهم اجعَلْنَا مِنْ عبادِكَ الطَّاهِرِينَ المتَّقينَ المتآخينَ الْمُتَحَابِّينَ الْمُتَوَادِّينَ. ربَّنا لا تُزِغْ قلوبَنا بعدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابِ. هذا وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم

 

الخطبة الثانية:

التحذيرُ من قولِ بعضُ الناسِ "لا شكر على واجب"

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونشكرُه، ونعوذُ باللهِ من شُرورِ أنفسِنا وسيّئاتِ أعمالِنا، من يهدِ اللهُ فلا مضلَّ له ومن يُضلِلْ فلا هادِيَ لهُ، والصلاةُ والسلامُ على سيّدِنا محمّدِ بنِ عبدِ اللهِ وعلى ءالِه وصحبِه ومن والاه.

أما بعدُ عبادَ اللهِ، فإنِّي أوصيكم ونفسِيَ بتقوَى اللهِ العليِّ العظيمِ وبالثَّباتِ على نهجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم القائلِ في حديثِه الشريفِ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللهَ" .

أفهَمَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ أنَّ مِنَ الناسِ مِنَ المسلمينَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أن يُشكَرَ بل جَاءَ في الشرعِ أنهُ يُسَنُّ لِمَنْ أَخَذَ الزكاةَ مِنْ دافِعِها أَنْ يَقُولَ لهُ ءاجَرَكَ اللهُ، فبَعْدَ هذا البيانِ وكمَا سَبَقَ لنَا أَنْ نَبَّهْنَا في خُطَبٍ عديدَةٍ إلى أنهُ لا يجوزُ أن يُتكَلَّمَ بكلامٍ يُعارَضُ فيهِ حديثُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لذلكَ فإنَّنا اليومَ نُنَبِّهُ وَنُحَذِّرُ مِنْ قولِ بعضِ الناسِ "لا شُكْرَ عَلَى وَاجِبٍ" عندَ شُكرِ إنسانٍ لِمَنْ يُحْسِنُ إليهِ، فلا يُقالُ "لا شُكْرَ على واجِبٍ" لأنَّ هذا فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِحَديثِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم القائِلِ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللهَ".

فمعنَى قولِ بعضِ الناسِ "لا شُكر على واجبٍ" أن الذِي عَمِلَ إحسانًا لا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُشْكَرَ على ذلكَ، وهذا ظاهِرٌ في مُخالَفَتِه لِحَديثِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

أما إذَا كانَ فَهْمُه أنَا أعمَلُ هذا ولَوْ لم أشكَرْ عليهِ أَي لا يُلزمُ أن تشكرَنِي لأَعْمَلَ هذا فلا يَضُرُّ العقيدَةَ .

اللهمَّ وَفِّقْنا لِلقَوْلِ الحَسَنِ الْمُوَافِقِ لِلدِّينِ يا أَرْحَمَ الراحِمين.

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا﴾ اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ  على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ﴿يا أيُّها الناسُ اتَّقـوا رَبَّكـُم إنَّ زلزَلَةَ الساعَةِ شَىءٌ عَظِيمٌ يومَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملَها وَتَرَى الناسَ سُكارَى ومَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عذابَ اللهِ شَديدٌ﴾، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فبجاه محمّد استجبْ لنا دعاءَنا ، اللهم بجاه محمّد اغفرِ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ ، اللّـهُمَّ بجاه محمّد اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ ، اللّـهُمَّ بجاه محمّد استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون . اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

 

There are no translations available.

Réponse à l'article de Fathi Derder dans la rubrique "Réflexions" du journal 24 heurs du mardi 22 juin où il dit sic :

"Quand j’ai vu Ribéry, dimanche sur TF1, j’ai compris que j’aimais la France. Un multimillionnaire à gueule de repris de justice, client de prostituées de 16 ans, immoral et voyou. Pire: musulman."

 

Il règne un climat malsain en Europe, et peut-être dans le monde, où l'Islam est de plus en plus perçu comme une menace. Certains y verraient une parade politicienne qui vise à détourner le public des problèmes de fond. En tous état de cause, les bras nous en tombent à la lecture de passages où le terme de musulman apparaît comme une insulte pire que d’être immoral ou voyou. Les moeurs ne soient pas toujours le reflet d'une croyance. La croyance a bon dos dans ce cas.

S'il avait été question d'une autre communauté, d'une autre confession, on aurait sans doute vu des associations se mettre en rangée pour donner l'assaut. Mais pour les musulmans, force est de constater, hélas, qu'il a deux poids deux mesures, un barème insensé. A ce titre, l'affaire de l'égyptienne, vivant en Allemagne et assassinée dans un tribunal de Dresde en 2007, est quasiment passée inaperçue dans les médias. L'ère du temps n'est donc pas de bon augure et il a quelque chose de toxique.


Freyzinger disait: "Mais qu'ils rentrent chez eux", seulement que pour un Ribéry il n'en est pas question comme pour tant d'autres. Alors, si des personnes se sentent irritées par cette foi et voient en elle la cause de leurs tourments, il sera difficile de les convaincre du contraire, car généralement ils ne sont pas capables d'élévation et doivent régler quantité de problèmes avec leur personne pour retrouver un semblant de lucidité et de jugement. Guénon disait: "Il y a toujours quelque chose de pénible dans le spectacle de l'incompréhension profane, bien que la doctrine sacrée soit assurément trop haute pour en subir les atteintes".  Vous comprendrez ainsi notre sentiment de toujours devoir justifier ce que nous sommes.

L’auteur de l’article du « 24 heures », en voulant condamner des faits jugés immoraux, amalgame jusqu’à atteindre l’irrationnel, l’insensé pour devenir non objectif. Nous condamnons fermement cette dérive islamophobe cachée derrière la débandade du Foot Français.


Président du Conseil Islamique
Prof. Tawfiq EL MALIKI


 

إنّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكُرُهُ ونستغفِرُهُ ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنْفُسِنا ومِنْ سَيّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا ضِدَّ ولا نِدّ لهُ ولا شكلَ ولا صورةَ ولا أعضاءَ لهُ ولا جسمَ ولا جُثّةَ لهُ ولا كميّةَ ولا مكانَ لهُ . هوَ اللهُ الواحدُ الأحدُ الفردُ الصمدُ الذي لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكنْ لهُ كُفُوًا أحدٌ، جلَّ ربي لا يشبهُ شيئًا ولا يُشبِهُهُ شىءٌ ولا يَحُلُّ في شىءٍ ولا يَنْحَلُّ منهُ شىءٌ ، ليسَ كمثلِهِ شىءٌ وهوَ السميعُ البصيرُ.

 

وأشهدُ أنّ سَيِّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ،

بلّغَ الرسالةَ وأدّى الأمانَةَ ونصحَ الأمّةَ، فجزاهُ اللهُ عنّا خيرَ ما جَزَى نبيًا منْ أنبيائِهِ ، اللهمّ صلِّ على سيِّدِنا محمّدٍ صلاةً تَقضي بها حاجاتِنا ، اللهمَّ صلِّ على سيِّدِنا محمّدٍ صلاةً تُفرِّجُ بها كُرُباتِنا، اللهمَّ صلِّ على سيِّدِنا محمّدٍ صلاةً تَكفِينا بها شرَّ أعدائِنا وسلِّمْ عليهِ وعلى ءالِهِ سلامًا كثيرًا. أمَا بعدُ عبادَ اللهِ، فإني أوصِيكُمْ ونَفْسِي بتقْوَى اللهِ العلِيِّ القديرِ القائِلِ في كتابِهِ الكَريمِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ الرَّحمنُ الرَّحِيمُ﴾ سورة البقرة / 163.

 

ويقولُ سيدُ الفُصَحَاءِ والبُلَغَاءِ والعُلَمَاءِ سيدُنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ للهِ تَعالَى مائةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً واحِدَةً بينَ الجِنِّ وَالإِنْسِ والطَّيْرِ وَالبَهائِمِ والهَوامِّ فيهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَراحَمُون، وَأَخَّرَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَة" رَواهُ مسلمٌ رحِمَهُ اللهُ تعالَى. وقد رَوَى البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ أنَّ فوقَ العَرْشِ كِتَابًا فِيهِ عَنِ اللهِ: "إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي". مَعْنَاهُ مظَاهِرُ الرحمةِ أكثَرُ مِنْ مَظَاهِرِ الغَضَبِ، الملائِكَةُ مِنْ مَظَاهِرِ الرَّحمةِ وهم أكثَرُ عددًا مِنْ قَطَرَاتِ الأَمْطَارِ وَأَوْرَاقِ الأَشْجَارِ، وَالجنَّةُ مِنْ مَظَاهِرِ الرحمةِ وهيَ أَكْبَرُ مِنْ جَهَنَّمَ بِكَثِيرٍ، بآلافِ المَرَّاتِ. فَوَاضِحٌ أنهُ لا يُوجَدُ فَوقَ العَرْشِ شَىءٌ حَيٌّ، إِنَّمَا يوجَدُ كِتابٌ فَوْقَ العَرْشِ مَكتُوبٌ فيهِ "إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي" وكونُ ذلكَ الكِتَابِ فَوْقَ العَرْشِ ثَابِتٌ، وَمِمَّا يَدُلُّ على أنَّ ذلكَ الكتابَ فوقَ العَرْشِ فَوْقِيَّةً حقيقِيَّةً لا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ الحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ النسائِيُّ في السُّنَنِ الكبرى "إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بأَلْفَيْ سَنَةٍ فهو عِنْدَهُ على العَرْشِ، وَإِنَّهُ أنزَلَ مِنْ ذلِكَ الكتابِ ءَايَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ البَقَرَةِ". وليسَ معنَى عندَهُ قُرْبَ المكانِ لأَنَّ اللهَ موجودٌ بِلا مكانٍ فمَنْ يَقُولُ اللهُ جالِسٌ على العَرْشِ جَعَلَهُ مُشَابِهًا لِهذا الكِتَابِ وَحَاشَا للهِ وتنَزَّهَ عَنْ كل صفاتِ الخَلْقِ.

 

وقد رُوِيَ عن سَيِّدِنا عُمَرَ بنِ الخطابِ رضي اللهُ عنه أَنَّ امرَأَةً وَجَدَتْ وَلَدًا لَهَا أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبِطْنِها وأَرْضَعَتْهُ، قَالَ عُمَرُ: فقالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَتَرَوْنَ

 

 

 

هَذِهِ المَرْأَةَ تَطْرَحُ وَلدَهَا في النَّارِ، قلنا: لا واللهِ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَه، فقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا"

وَاعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعالَى الرَّحمَن والرحيم، الرحمنُ معنَاهُ الكَثِيرُ الرَّحمةِ للمؤمنينَ وغيرِهِم في الدنُّيا وللمؤمنينَ في الآخِرَةِ.

 

فالسعادَةُ الحقيقِيَّةُ هي السعادَةُ الأُخْرَوِيَّةُ هكذا قَالَ أَهْلُ الفَهْمِ، السعادَةُ أَنْ يُرْحَمَ العَبْدُ فَيَدْخُلَ الجنةَ بلا عَذَابٍ فَيَحْظَى بالنَّعيمِ المُقِيمِ وَالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، لأنَّ السَّعَادَةَ ليسَ جَمْعَ المالِ أَوِ الجاهَ أو كَثْرَةَ العَشِيرَةِ وَالوَلَدِ. وَمِنْ رحمةِ اللهِ تعالى أنهُ لا يُخَلَّدُ في النارِ مَنْ مَاتَ مُسْلِمًا وَلَوْ كَثُرَتْ مَعاصِيه، فَلا بُدَّ أن يَدْخُلَ الجنَّةَ، فقد رَوَى البُخَارِيُّ ومسلِمٌ رَحِمَهُمَا اللهُ تعالَى أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَتَانِي جِبْريلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ من ماتَ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجنَّةَ، قلتُ: يا جِبْريلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ نَعَمْ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى. قلتُ وَإِنْ سرقَ وإِن زَنَى؟ قالَ: وَإِنْ سرقَ وَإِنْ زنَى. قلتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قالَ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ شَرِبَ الخَمْرَ".

 

ومِنْ رحمةِ اللهِ تعالى أن جعلَ الشهادَتَيْنِ عظيمَتَيْنِ في دينِ اللهِ تعالَى الإسلامِ فلا يَدْخُلُ الشخصُ في الإِسْلامِ إلاَّ بالنُطْقِ بِهِمَا. وَتثْقُلُ الصحيفَةُ التي كُتِبَ فيهَا أشهدُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ اللهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ في كَفَّةِ الميزَانِ يَوْمَ القِيامَةِ.

 

سَلِ العَفْوَ مِنْ أَرْحَمِ الرُّحَمَاءِ وأَكْرَمِ الكُرَمَاءِ لَعَلَّكَ تُرْحَمُ فَإِنَّ الكَرَمَ عَمِيمٌ والرَّحْمَةَ واسِعَةٌ، وَالجُودَ فَائِضٌ. وما أعظَمَ وَأَجْمَلَ قولَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الذِينَ أسرَفُوا على أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سورة الزمر / 53.

 

أما قَوْلُ الرسولِ الأَكرمِ صلى الله عليه وسلم "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحمنُ ارْحَمُوا مِنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّماءِ" رواهُ الترمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السماءِ، فَهَذِهِ الرِّوايَةُ تُفَسِّرُ الرِّوَايَةَ الأُولَى، لأنَّ خَيْرَ مَا يُفَسَّرُ الحَدِيثُ الوَارِدُ بِالوَارِدِ. ثم الْمُرَادُ بأهلِ السَّماءِ الملائِكَةُ. ذَكَرَ ذلك الحَافِظُ العراقِيُّ في أَمَالِيِّهِ عَقيبَ هذَا الحديثِ، وَنَصُّ عِبَارَتِه "وَاسْتُدِلَّ بقولِهِ "أَهْلُ السَّمَاءِ" عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِقَوْلِهِ تعالَى في الآيَةِ ﴿ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ﴾ الملائِكَةُ. اﻫ ومعنَى قولِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ "ارحَمُوا مَنْ الأَرْضِ" مَعْنَاهُ بِإِرْشَادِهِمْ إلَى الخَيْرِ بِتَعْلِيمِهِمْ أُمُورَ الدَِينِ الضَّرُورِيَّةَ التِي هِيَ سَبَبٌ لإِنْقَاذِهِم مِنَ النَّارِ، وَبِإِطْعَامِ جَائِعِهِمْ وَكِسْوَةِ عَارِيهِمْ وَنَحْوِ ذلكَ. وَقَوْلُهُ عليهِ السلامُ "يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ" فَأَهْلُ السَّمَاءِ هُمُ الملائِكَةُ وَهُمْ يَرْحَمُونَ مَنْ فِي الأَرْضِ أَيْ أَنَّ اللهَ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَسْتَغْفِرُوا للمُؤْمِنِينَ، وَيُنْزِلُوا لَهُمُ المَطَرَ، وَيَنْفَحُوهُم بِنَفَحَاتِ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ، وَيَحْفَظُوهُم على حَسَبِ مَا أمرَهُمُ اللهُ تعالَى.

 

 

وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ تعالَى أَنْ جَعَلَ الدُّخولَ في الإِسْلامِ الذي هو أفضَلُ نِعَمِ اللهِ سَهْلاً وَذَلِكَ بالنُّطْقِ بِالشَّهادَتَيْنِ، بَعْدَ مَعْرِفَةِ اللهِ وَرَسُولِه.

وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ بكَ أَنْ جَعَلَكَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا علَى عَقِيدَةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم وعقيدَةِ الصَّحَابَةِ، وجعَلَ حركاتِكَ في تَقْوَاهُ عَزَّ وجَلَّ وشَرَحَ صَدْرَكَ بِالإِيمانِ وَزَيَّنَهُ في قَلْبِكَ، وَكَرَّهَ إلَيْكَ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيَانَ، وَجَعَلَكَ مِنْ مُؤَدِّي الفَرَائِضِ التَّارِكينَ لِلْمُحَرَّماتِ، وَجَعَلَكَ مُتَحَرِّكًا ذَا عَافِيَةٍ وَصِحَّةٍ فَاحْمَدِ اللهَ تعالَى، فَكَمْ مِنْ شَخْصٍِ لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يَتَكَلَّمُ وَهُوَ مَرِيضُ ذُو عِلَلٍ كَثِيرَةٍ. فَالرَّسولُ الأَكْرَمُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَرَاغُ". وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ تعالى أَنْ جَعَلَ أُمَّةَ سَيِّدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ، فأَهْلُ الجنَّةِ مائَةٌ وَعِشرُونَ صَفًّا، ثَمَانُونَ صَفًّا هُمْ أُمَّةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، قالَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ يَمُرُّ النَّبِيُّ ومَعَهُ الرَّجُلُ والنبيُّ ومعهُ الرَّجُلانِ والنبيُّ ليسَ مَعَهُ أَحَدٌ، والنبيُّ معهُ الرَّهْطُ، فرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا قَدْ سَدَّ الأُفُقَ فَقِيلَ لِي انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا فَقِيلَ لِي هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ وَمَعَ هؤلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ" الحدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

نَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ بِغَيْرِ عَذَابٍ بِجَاهِ رَسُولِ اللهِ محمدٍ صلَّى اللهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ. هذا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم.

 

الخُطبةُ الثانيةُ:

الحمدُ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهْدِيهِ ونشكُرُه ونعوذُ بِاللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيّئاتِ أعْمَالِنا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِي لهُ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ. عبادَ اللهِ أُوصِيْ نفسِيَ وإيّاكمْ بتقْوَى اللهِ العَليّ العظيمِ، واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا﴾ اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ

بسم الله الرحمن الرحيم

أغلق باب الأمل وافتح باب الاستعداد للموت

إنّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكُرُهُ ونستغفِرُهُ ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنْفُسِنا ومِنْ سَيّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ. وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شَرِيكَ لَهُ ولا شبيهَ لَهُ، تنَزَّهَ اللهُ سبحانَهُ وتعالَى عَنِ الحَرَكَةِ والسُّكونِ وَالذَّهابِ والمَجِيءِ والمكَانِ وَالاجْتِمَاعِ والافتِرَاقِ وَالقُرْبِ والبُعْدِ مِنْ طَرِيقِ المَسافَةِ، تنَزَّهَ اللهُ سبحانَهُ وتعالَى عَن الاتصالِ والانفصالِ والحَجْمِ وَالجِرْمِ والجِهَةِ وَالصُّورةِ والْحَِيّزِ والمِقْدَارِ والجوانِبِ وَالجِهَاتِ، تَنَزّه اللهُ سبحانَهُ وتعالى عن الكيفِيَّةِ وَالكَمِّيَّةِ وَالأَيْنِيَّةِ، فَإِنَّ الذِي أَيَّنَ الأيْنَ لا يُقَال لَهُ أيْنَ، وإنَّ الذي كَيَّفَ الكَيْفَ لا يُقالُ لَهُ كَيْفَ. تنَزَّهَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى عن صفاتِ خَلْقِه، وَصَدَقَ اللهُ تعالَى بِقَوْلِهِ عَنْ نَفْسِهِ: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" الآيةَ، سورة الشورى/11. وأشهدُ أنّ سَيِّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ، صلى اللهُ وسلَّمَ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعلَى كُلِّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ. أمَّا بَعْدُ عبادَ اللهِ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ ونفسِي بتقوَى اللهِ العَلِيِّ القَدِيرِ.

أخي المؤمن، اتَّقِ اللهَ في السِّرِّ والعلانِيَةِ، فإنَّ اللهَ تعالَى لا تَخْفَى عليه خافِيَةٌ، وتذَكَّرْ أَنَّكَ في رَحِيلٍ عن هذه الدنيا الزَّائِلَةِ الفَانِيَةِ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المساءَ، وإذا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمَكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ، فَمَنْ عَرَفَ قَدْرَ الآخِرَةِ هَانَ علَيْهِ التَّعَبُ، فَمَن عَرَفَ ما يَطْلُبُ هَانَ علَيْهِ مَا يَبْذُلُ. يا أخي المؤمن، قد مَضَى أَمْسُكَ وَعَسَى غَدًا لِغَيْرِكَ، يَقُولُ رَبُّ العِزَّةِ في مُحْكَمِ التنْزيلِ: " وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ " سورة البقرة/281.

اتَّقِ اللهَ وَلا تُضَيِّعْ أوقاتَكَ بِمَا لا يُرْضِي اللهَ تعالَى، فَإِنَّ مُرَاعَاةَ الأوقَاتِ مِنْ علامَاتِ التَّيَقُّظِ، فَهَنِيئًا لِمَنْ تَرَكَ الدَّنْيَا قَبْلَ أَنْ تَتْرُكَهُ، وَبَنَى قَبْرَهُ بالعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ أن يَدْخُلَهُ، ولَقَدْ قِيلَ: قُبْورُنا تُبْنَى وَمَا تُبْنَا، يا لَيْتَنَا تُبْنَا قَبْلَ أَنْ تُبْنَى. يا أخي المؤمن، إِنَّ دارًا تَسِيرُ إلَيْهَا وَهِيَ الآخِرَةُ أقرَبُ إلَيْكَ مِنْ دَارٍ تَخْرُجُ مِنْهَا وَهِيَ الدُّنْيا، وإِنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم قالَ حَدِيثا يَنْفَعُ مَنْ عَمِلَ بهِ نَفْعًا كَبِيرًا وهو قولُهُ عليه الصلاةُ والسلامُ: "لَيْسَ الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ".فالإِنْسَانُ أَيُّها الإخوةُ تعلُو درجَتُهُ عندَ اللهِ بِحَسَبِ صَبْرِهِ، والصَّبْرُ ثلاثَةُ أنواعٍ: الصبرُ عنِ المحرَّماتِ، وَهذَا أشدُّهُ، هذا أشَدُّ أنواعِ الصَّبْرِ. والثانِي الصَّبرُ على الطَّاعاتِ. والثالثُ هو الصبرُ علَى المكَارِهِ وَالشَّدائِدِ والمَصَائِبِ. فكَفُّ النَّفْسِ عَنِ المحرَّماتِ على اختِلافِ أنواعِها هذا أَشَدُّ أنواعِ الصبرِ. يقولُ رَبُّ العِزَّةِ في القُرءانِ العظيمِ: "فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ " سورة الزلزلة/7-8. ففِي الآيَتَيْنِ التَّرغِيبُ بِقَلِيلِ الخيرِ وَكَثِيرِهِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ قَلِيلِ الشَّرِّ وكثيرِه. فتَذَكَّرْ أخي المؤمن أنَّ تَرْكَ مَعْصِيَةٍ وَاحِدَةٍ أَفْضَلُ عندَ اللهِ مِنْ عَمَلِ أَلْفِ حَسَنَةٍ نَافِلَةٍ أَيْ مِنَ السُّنَنِ. تذكّرْ أخِي المؤمن أَنَّ الحرامَ ما تَوَعَّدَ اللهُ مُرْتَكِبَهُ بِالعِقَابِ وَوَعَدَ تَارِكَهُ بِالثَّوابِ. إِخْوَةَ الإيمان، قد وردَ أنه لو نَزَلَ دَلْوٌ مِنْ غِسلين إلى الدُّنْيَا لأَفْسَدَ على أَهْلِ الدنيا مَعِيشَتَهُم. والغِسلينُ هُوَ مَا يَسِيلُ مِنْ جُلودِ أَهْلِ النَّارِ مِنَ القَذَرِ، تِلْكَ جهنَّمُ، تلكَ النارُ قَدْ وَصَفَ اللهُ شِدَّتَهَا في القرءانِ فَقَالَ :" تََكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ" الآيةَ، سورة الملك/8. أيْ تَكَادُ تَتَقَطَّعُ مِنْ شِدَّةِ الحَرَارَةِ وَلكنَّها لا تَتَقَطَّعُ، أيْ أنها شَدِيدَةُ الحرَارَةِ جد. وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "اشْتَكَتِ النارُ إلى رَبِّها فقالَتْ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لها كُلَّ عَامٍ بِنَفَسَيْنِ فأشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرِّ في الصَّيْفِ فَمِنْ نَفَسِ جهنّمَ وأَشَدُّ ما يكونُ منَ البرْدِ في الشِّتَاءِ فَمِنْ نَفَسِ زَمْهَرِيرِ جهنّم".فَكُلَّمَا اشتَدَّ الحَرُّ في الصيفِ تَذَكَّرْ أنّكَ لا تَقْوَى على حَرِّ الدنيا فكيفَ بِحَرِّ الآخِرَةِ؟ كيفَ بِعَذَابِ جَهَنَّمَ؟ كيفَ بِعَذَابِ النارِ؟ كيفَ بعذابِ الْحُطَمةِ؟ كيفَ بعذابِ الهَاوِيةِ؟ كيفَ بِعَذَابِ سَقَر؟ كيفَ بِعَذابِ السَّعِيرِ؟ كَيْفَ بِعَذَابِ لَظى؟.فَلْنَعْمَلْ إخوةَ الإِيمانِ في هذهِ الدُّنيا قبلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا يَنْفَعُ فيهِ النَّدَمُ، فَقَدْ قالَ أَحَدُهُمُ: "مَثَّلْتُ نفسِي في نَارِ جَهَنَّمَ ءَاكُلُ مِنْ زَقّومِها وَأَشْرَبُ مِنْ حَمِيمِها وأتَعَثَّرُ بِأَغْلالِها فَقُلْتُ أَيْ نَفْسُ ما تُريدِينَ؟ فقالتِ العَوْدَةَ إلى الدُّنيا لعَلِّي أعملُ صالِحًا فقُلْتُ أيْ نَفْسُ أنْتِ الآنَ في الأمْنِيّةِ فاعمَلِي"، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ ءامَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ " سورةُ التحريم/8.

إخوةَ الإيمانِ، إنَّ التَّوبةَ النَّصُوحَ هيَ أنْ يَتُوبَ مِنَ الذنبِ وَلا يَعُودَ إليهِ. إخوةَ الإيمانِ، إنَّ وُجُوهَ الصَّالِحينَ تَكونُ يَوْمَ القِيامَةِ مُشْرِقَةً مُضِيئَةً قَدْ علِمَتْ ما لَهَا مِنَ الخَيْرِ وَالنَّعِيمِ. ثمَّ إِنَّ المؤمنَ التَّقِيَّ الصالِحَ لا يَحْصُلُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَدْنَى خَوْفٍ ولا أدنَى فزعٍ حينَ يَفْزَعُ الناسُ ولا يَتَأَذَّى بِحَرِّ الشَّمْسِ لأنَّ الشمسَ يومَ القيامةِ أَشَدُّ حَرًّا مِنْهَا اليَوْمَ، وَلا يُصِيبُهُ ظَمَأٌ ولا عَطَشٌ ولا جُوعٌ ولا حَرَارَةُ شَمْسٍ، لا يُصيبُهُ أدنى نَكَدٍ بل يكونُ مُمْتَلِئًا سُرُورًا وَفَرَحًا، وهو حينَ يَخْرُجُ مِنْ قبرِهِ يَخْرُجُ لابِسًا لا يَخْرُجُ مَكْشُوفَ العَوْرَةِ كَأَغْلَبِ النَّاسِ، ولا يُحْشَرُ ماشيًا على قَدَمَيْهِ، لا، بَلْ يُحْشَرُ رَاكِبًا. مَاذَا يَركبونَ هؤلاءِ الأتقياءُ؟ يَرْكَبُون نُوقًا لَمْ يَرَ الخلائِقُ مِثْلَها علَيْهَا رَحَائِلُ الذَّهَبِ ثم يَدخُلونَ الجنةَ ثم بعدَ أن يَدْخُلوا الجنةَ يَجِدُونَ هناكَ مَا أَحْصَى اللهُ لَهُمْ مِنَ النَّعِيمِ. فاتقِ اللهَ أخِي المؤمن ولا تَنْغَرَّ بهذِهِ الدُّنيا الفانِيَةِ، ولا يَغُرَّنَّكَ الشَّيطَانُ فَيدعوكَ إلى ارتكابِ المحرَّمَاتِ، إلَى ارْتِكَابِ الفَوَاحِشِ، فَاللهُ يرانا ولا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيةٌ، فَأَغْلِقْ بَابَ الرَّفَاهَةِ وَالتَّرَفُّهِ لِتُقْبِلَ على الآخِرَةِ أَكْثَرَ وَتُعْرِضَ عنِ الدُّنيا أَكْثَرَ فأكثرَ، وأغْلِقْ بابَ الرَّاحةِ وافْتَحْ بَابَ الْجُهدِ لِتَبْذُلَ جُهْدَكَ بِطَاعَةِ اللهِ، وأغْلِقْ بَابَ النَّوْمِ وَافْتَحْ بَابَ السَّهَرِ بِالقِيَامِ بِالنَّوَافِلِ وَالتَّهَجُّدِ والعِلْمِ والتَّعَلُّمِ، وَأَغْلِقْ بابَ الأمَلِ وَافْتَحْ بَابَ الاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ. إنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.هذا وأستغفِرُ اللهَ لي ولكُمْ.

الخُطبةُ الثانيةُ: إنّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهْدِيهِ ونشكُرُهُ ونستغفرُهُ ونتوبُ إليهِ ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفُسِنا ومنْ سيّئاتِ أعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِيَ لهُ. والصّلاةُ والسّلامُ عَلَى سيِّدِنا محمّدٍ رَسُولِ اللهِ وعلى ءالِهِ وصحبِهِ ومَنْ والاهُ. أَمّا بَعْدُ عِبادَ اللهِ، فَإني أوْصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ القَديرِ القائلِ في مُحْكَمِ كتابِهِ: " وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ" الآيةَ، سورة ءال عمران/185. مَتَاعُ الغُرورِ مَعْنَاهُ لَذَّةٌ تَشْغَلُ الإنسانَ عَنِ الأُمُورِ المُهِمَّةِ. فسارِعْ أخِي المؤمن إلى العَمَلِ بِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ " الآية، سورة التحريم/6. اللهم احفَظْنَا مِنَ الكُفْرِ وَالمعَاصِي يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ: "إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا" سورة الأحزاب/59. اللّهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: " يا أيها الناسُ اتقوا ربَّكم إنَّ زلزلةَ الساعةِ شىءٌ عظيمٌ يومَ ترونَها تذهَلُ كلُّ مرضعةٍ عما أرضَعت وتضعُ كلُّ ذاتِ حملٍ حملَها وترى الناسَ سُكارى وما هم بسُكارى ولكنَّ عذابَ اللهِ شديد " سورة الحج. اللّهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يُثِبْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ، واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

There are no translations available.

Camping et cours de religion

الكذب

 

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله من بعثه الله رحمة للعالمين هاديًا ومبشرًا ونذيرًا بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمّة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيًا من أنبيائه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى كل رسول أرسله.

أما بعد عباد الله، فإني أوصي نفسي وأصيكم بتقوى الله تعالى والعمل بشريعته والاستنان  بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وأستفتح بالذي هو خير: {فمن يعمل مثقال ذرّة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرًا يره}.

اخوة الإيمان ، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} .

وروى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليك بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقا وإياك والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذّابًا" .

 

اخوة الإيمان، إن الله سبحانه وتعالى قد أرشد عباده المؤمنين الى كل خصلة خير  ونهاهم عن الشر. وكذا رسوله الكريم فقد ارسله ربه معلّمًا للناس الخير داعيًا لهم الى مكارم الأخلاق ومحاسنها كما قال عليه الصلاة والسلام: "إنِما بعثت لأتُمِّم مكارم الأخلاق" .

وإنه من عظيم الصفات التي أمر الله تعالى بها وحثّ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدق، ومن أخبث الصفات التي نهى عنها الكذب.

والكذب إخوة الإيمان وهو ما نريد بسط الكلام فيه، فهو الكلام على خلاف الواقع. فقد رهّب النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب لأنه يوصل الإنسان الى الفجور وهو الميل الى الفساد والشرور. وإذا تكرر الكذب اصبح عادة وطبيعة يصعب الخلاص منها وعندها يُكتب الإنسان كذّابًا . نسأل الله تعالى أن يجعلنا مع الصادقين .

وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب في كثير من الأحاديث منها الحديث الذي يبين فيه الرسول خبث طبع الكذاب.

والكذب إخوة الإيمان منه ما هو من الكبائر ومنه ما يكون من الصغائر ومنه ما يكون كفرًا والعياذ بالله تعالى . فإذا كان الكذب لا ضرر فيه لمسلم فهو من الصغائر، والصغيرة لا يُتهاون بها لأن الجبال من الحصى . وإن كان فيه ضرر يلحق مسلمًا فهو من كبائر الذنوب والعياذ بالله تعالى. ومن الكذب القبيح الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال عليه الصلاة

 

والسلام: "من كذب عليّ متعمِّدًا فليتبوّأ مقعده من النار" . وإذا كان في هذا الكذب تحليل حرام أو تحريم حلال فهو كفر والعياذ بالله تعالى ، كما يفتري بعضهم ليضحك الناس فيقول: قال الله تعالى "اذا رأيت الأعمى فكبّه على وجهه إنك لست أكرم من ربه" فهذا كفر والعياذ بالله من ذلك .

واعلموا اخوة الإيمان ان الكذب سواء قاله مازحًا او جادًّا حرام ان اراد ان يضحك القول أو لا فهذا حرام . فالكذب ليس فيه كما يدعي بعض الكذابين أبيض وأسود . وقد قال عليه الصلاة والسلام: لا يصلح الكذب في جدٍّ ولا هزل" وقال: ويل للذي يحدث القوم فيكذب ليضحكهم ويل له ويل له" .

ومما ينبغي ان يحذر منه اخوة الإيمان ما يسميه بعض الناس كذبة أول نيسان ، فالكذب في اول نيسان وفي ءاخره وفي كل الأحيان حرام. ويحصل فيه وفي كثير من الأحيان ترويع للمسلم فيقول له الكذاب مثلاً إن ابنك مات او حصل مع زوجتك كذا وكذا فيروعه والعياذ بالله ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "المرعبون في النار" .

فاحذروا من الكذب في كل الأحيان وحذّروا منه فإنه عادة خبيثة إن دلت على شىء فإنها تدل على خبث وطبع صاحبها، فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين .

هذا وأستغفر الله لي ولكم

 

 

 

 

الخطبة الثانية: التحذير من كذبة أوّل نيسان .

 

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدًا عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى كلّ رسول أرسله .

أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليِّ العظيم القائل في كتابه المعجزة الكريم :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ سورة التوبة 119

 

ويقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :" وإيّاكم والكذب فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور وإنّ الفجور يهدي إلى النار وما يزال العبد يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا " .رواه الترمذيّ .

إخوة الإيمان إنّ الكذب الذي حرّمه الشرع يوصل الإنسان إلى الفجور ، إلى الفساد والشرور وقد حذّر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الكذب في كثير من الأحاديث لذلك نحذّركم إخوة الإيمان ممّا يسمّيه بعض الناس " كذبة أوّل نيسان " فالكذب الذي حرّمه الشرع هو حرام في أوّل نيسان وفي غيره من الأيام، كما أنّ هذا الكذب يحصل بسببه في كثير من الأحيان ترويع للمسلم فيقول له الكذّاب مثلاً " ( إنّ ابنك مات، أو حصل مع زوجتك كذا ) فيروّعه يخيفه والعياذ بالله تعالى، أحبابنا ليعلم أنّ الكذب لا يصلح في جِدٍّ ولا في هزل أي مزح ولو كان مقصد إضحاك الحاضرين ولو لم يكن فيه إيذاء للناس فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : إني لأمزح ولا أقول إلا حقًّا . كما ونحذِّركم من قول بعض الناس : الكذب ملح الرجال .

 

اللهمّ احفظنا من الكذب والحرام يا أرحم الراحمين .

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ ]إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا[ اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدَنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ  على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ]يا أيها الناس اتقـوا ربكـم إنّ زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد[، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنّا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون .اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

 

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وخاتم المرسلين سيدنا محمد، وعلى جميع إخوانه النبيين والمرسلين، وعلى ءاله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد ...

مقدمة:

يقول الله سبحانه وتعالى: " تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ".

أيها الإخوة الأعزاءِ

نضع بين متناولكم هذا المنشور وقصدنا إلقاء الضوء على أهم الأسباب التي دعت إلى تأسيس المجلس الإسلامي السويسري، وتعريف الناس بمجمل أهدافه، وطبيعة عمله ونشاطاته، بالإضافة إلى الخدمات الجمة التي يسديه لخدمة وتلبية حاجات الجالية الإسلامية في سويسرا.

لقد كان قرارنا أن نعمل و نجد ونجتهد رغم كل المصاعب التي نواجهها، لدعم هذه الانطلاقة المباركة، متوكلين بذلك على الله سبحانه وتعالى، ثم معتمدين على خبرات أهل الخير، لبلورة الجهود وتكثيفها فيما يضمن توحيد الكلمة وتقوية الصف وجمع الشتات، والقيام على بناء مرجعية إسلامية معتدلة ، تكفل للمواطن السويسري المسلم حقه بالعيش في عز وأمان، وتدفع عنه موجات التمييز العرقي والديني التي تعصف بنا بين الحين والآخر من قبل اليمين المتطرف، وتحميه من ءافات الفساد الأخلاقي ومخاطر التطرف والغلو في الدين.

نبذة تاريخية

لقد تأسس المجلس الإسلامي السويسري في أواخر التسعينات حيث كانت فكرة تأسيسه نابعة من حاجة المسلمين  لمن يتكلم بلسانهم، ويعبر عن مشاعرهم، وذلك عن طريق تمثيلهم بمجلس يشكل هيئة إسلامية ومرجعية دينية يضم مجموعة من المراكز والجمعيات الإسلامية في مختلف المدن السويسرية منهاجهم مستقى من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما قرره علماء الإسلام أصحاب المذاهب الإسلامية المعتبرة كالشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي ،و عقيدتهم على منهج الإمام أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتوريدي، يسلكون الوسطية والاعتدال اعتقادًا وممارسة، ويرون في التطرف والغلو في الدين خطرًا كبيراً يهدد الأفراد والأسر والمجتمعات والأوطان، ويلحق الأضرار الجسيمة بالأمة.

أعضاؤه المركز الإسلامي في لوزان1979، المركز الإسلامي في زوريخ1992، المركز الثقافي الإسلامي السني في جنيف 1995 المركز الإسلامي في بيان 1995، المركز الإسلامي في نيوشاتيل 1996 جمعية السويسريات المسلمات 1990 جمعية النساء المسلمات 1999

إن تمويل المجلس قائم على اشتراكات وتبرعات أعضائه وطلابه وأحبابه والواثقين به ومما يجود به أهل الخير.

الأهداف

من مهام المجلس رعاية المسلمين في المجال الديني والاجتماعي والثقافي:

  • نشر الثقافة الإسلامية والمفاهيم السليمة.
  • ·العمل على تأهيل وتأطير الأئمة وفقا للقوانين السويسرية.
  • الاهتمام بتعليمأولاد  المسلمين أمور الدين في مدارس الجمعيات.
  • إصدار نشرات للتوعية الدينية.
  • الاهتمام بترجمة وطباعة ونشر الكتب للنهوض بالفكر الإسلامي الصحيح.
  • الاهتمام بالعمل الشبابي.
  • المشاركة في المؤتمرات لنشر المفاهيم الإسلامية السليمة.
  • العمل على إنشاء المصليات والمراكز الثقافية.
  • مساعدة المسلمين في العيش وفقاً للشرعية الإسلامية.
  • إعانة المسلمين في التغلب على الصعوبات اليومية وإرشادهم إلى كيفية التعامل مع الجهات الرسمية.
  • ·تقديم إرشادات إجتماعية ونفسية.
  • إقامة الحفلات والندوات لإحياء المناسبات الدينية والرياضية.

خاتمة

إن جهود المجلس الإسلامي السويسري مكللة بالتوفيق بفضل الله تعالى، وهي مسيرة علم وعمل وبناء مؤسسات على رغم ضعف الإمكانيات المالية.

كلمات وضعناها أمام عيونكم، كلمات صدق خرجت من قلوبنا ونريدها أن تصل إلى قلوبكم ليكون التواصل أقوى فتقوى المسيرة، مسيرة العطاء والإنجازات، مسيرة الخير والحق والثقافة المتنورة.