زيارة القبور والتبرك بالأنبياء

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه ونسترشده ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه من بعثه الله رحمة للعالمين هاديا ومبشرا ونذيرا بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا من أنبيائه، الصلاة والسلام عليك سيدي يا علم الهدى الصلاة والسلام عليك سيدي يا رسول الله سيدي يا حبيب الله ضاقت حيلتنا وأنت وسيلتنا أدركنا يا محمد أدركنا يا أبا القاسم يا رسول الله أدركنا بإذن الله .

أما بعد،

فيا عباد الله أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العلي العظيم

قال الله تعالى:"يا أيها الَّذِين. ءامنواْ اتُقواْ اللهَ وابتغواْ إِلَيهِ الْوسِيلَةَ"سورة المائدة/ 35

اعلموا أخوة الإسلام أنه جاء في شرح هذه الآية أن اطلبوا ما يقربكم إلى الله. فالصلاة والصيام والزكاة والحج وبر الوالدين ونوافل الطاعات كل منها وسيلة أي قربة إلى الله. ومن جملة ما يقرب إلى الله زيارة قبور الأنبياء وقبور الأولياء سواء كان للسلام عليهم أو للتبرك بزيارتهم. ومعنى التبرك هو طلب البركة من الله تعالى، فمن زار قبر أحد الأولياء بنية التبرك أي بنية أن يعطيه الله البركة فهذا يقرب إلى الله ولا يبعده من الله، ومن قال عن هذا أنه شرك فهو ضال، لا حجة له ولا برهان لا من حديث النبي ولا من القرءان. بل إن زيارة القبر سنة وفيها ثواب ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كنت نهيتكُم عن زِيارةِ الُقبورِ فَزوروها "رواه مسلم. وفي رواية " فَمن أراد أن يزور القبور فليزر فإنها تذكِّرنا الآخِرة".

 

النهي عن زيارة القبور قد نسخ

كان الرسول في بدء الأمر بوحي من الله قد نهى أصحابه عن زيارة القبور لحكمةٍ الله يعلمها ثم بوحي من الله رخص لهم في ذلك. ففي الوقت الذي نهاهم عن زيارة القبور كانت الحكمة تقتضي ترك زيارة القبور لأنهم كانوا قريبي عهد بالإسلام ولم يكن مضى عليهم زمان طويل منذ دخلوا في الإسلام. فكانت الحكمة في نهيهم عن زيارة القبور عظيمة لأن الوثنيين كانوا يذهبون إلى القبور

للإشراك بالله تعالى وكانوا يتفاخرون بمآثر آبائهم وأجدادهم على القبور، يذهبون الى القبور فينحرون إبلا ثم يتفاخرون كأن يقول أحدهم : " أنا جدي هذا الذي كان له كذا وكذا من المفاخر والمآثر". لهذا كانوا يذهبون لا للاعتبار بأحوال أهل القبور ولا ليستعدوا للآخرة بل كانوا يعتقدون أن الإنسان إذا مات وصار ترابا لا رجعة له، أي أنهم ما كانوا يؤمنون بالبعث بعد الموت.

 

استحباب زيارة القبور للرجال والنساء

ثم لما تمكن الإسلام في الناس جاءت الرخصة من الله تعالى بزيارة القبور فقال عليه الصلاة والسلام بعدما نزل الوحي بالرخصة :" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " رواه مسلم. وفي ذلك عبرة لأولي الأبصار وزيارة القبور مستحبة للذكور والإناث على السواء. ومن الأدلة الواضحة على استحباب زيارة القبور للنساء ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا تقول عند زيارة القبور فعّلمها أن تقول :" السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ورحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون " رواه مسلم. فلو كانت زيارة القبور غير مشروعة للنساء لقال لها " انتن معاشر النساء منهيات عن زيارة القبور"، ولكنه علمها ما تقوله. وإن الأحاديث التي وردت في استحباب زيارة القبور لم يذكر فيها استثناء النساء من الرجال.

 

بناء القبور

وأما بناء القبر للفخر فحرام وكذلك البناء عليه في الجبانة العامة. قال الفقهاء " إلا إذا كان هناك سبب وهو أن يخشى على هذا الميت أن ينبش قبره قبل أن يبلى جسده ليدفن فوقه ميت جديد فإذا كان الأمر كذلك فهو جائز. وإذا كانت الأرض تخص شخصا فبنى القبر بإذن صاحب الأرض فهذا جائز لكنه عمل غير مشكور.

 

الدليل على جواز زيارة قبر النبي للتبرك والتوسل به

إن معنى التبرك كما ذكرنا هو أن يعطيه الله بركة بزيارته لقبر النبي أو قبر الولي. ثم إن الأنبياء قد أحياهم الله بعدما أماتهم فلا يستبعد عليهم أن يشعروا بالزائر فيدعون الله له، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون " رواه البيهقي. وتأكيد ذلك ما ورد في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ومماتي خير لكم فإذا أنا مت عرضت علي أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت غير ذلك استغفرت لكم " رواه البزار.

 

 

الدليل على جواز التبرك برسول الله بعد موته

وقد ورد أنه في زمن سيدنا عمر بن الخطاب حصل قحط ومجاعة فذهب احد أصحاب رسول الله إلى قبر الرسول للتبرك وقال: "يا رسول الله استسقِ لأمتِك فإنهم قد هلكوا " أي اطلب من الله أن ينزل لهم المطر. فرأى الرجل في رؤياه رسولَ الله يقول له :" أقرىء عمر السلام وأخبره أنهم يسقون" أي أن الله ينزل لهم المطر. فذهب الرجل إلى سيدنا عمر فأخبره فبكى عمر. رواه البيهقي. لقد كان ذهاب هذا الرجل إلى قبر رسول الله لغير السلام بل بقصد التبرك به فلم يعترض عليه سيدنا عمر ولم يقل له " هذا شرك " ولم يقل له "كيف تذهب إلى قبر الرسول للتبرك والرسول قد مات ولا ينفعك". إن الأنبياء ينفعون بعد موتهم

فهذا موسى عليه السلام ليلة المعراج اجتمع بالرسول في بيت المقدس وفي السماء السادسة فقال للرسول وهو نازل من المكان الذي وصل إليه فوق السموات السبع" ماذا فُرض عليك ؟ قال : (أي سيدنا محمد )" فُرض علي خمسون " قال :" ارجع فسل ربك التخفيف " فرجع الرسول إلى ذلك المكان الذي كان يناجي فيه ربه وطلب من الله التخفيف فخفف عنه خمسا ثم رجع إلى حيث موسى فقال له موسى " ماذا فعلت " قال " قد خفف الله عني خمسا " قال " ارجع إلى ربك وسله التخفيف " إلى تسع مرات حتى بقي الفرض عليه وعلى أمته خمس صلوات في اليوم والليلة، فهذا سيدنا موسى الذي مات منذ زمان بعيد قبل الرسول صلى الله عليه وسلم قد نفع بعد موته.

 

فاحذر أخي المسلم ممن يقول أن الأنبياء لا ينفعون بعد موتهم : بل نقول إنهم ينفعون بإذن الله تعالى. والانتفاع ببركتهم أولى من الانتفاع بما استخرج من أدوية نباتية أو حيوانية. وإذا دخلت أخي المسلم إلى مقبرة فإليك ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال : " السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر " رواه الترمذي.

اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر ومن فتنة القبر وفتنة المحيا وفتنة الممات وفتنة المسيح الدجال.

 

الخطبة الثانية:

إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ سُبحانَه وتَعالَى وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه صلَّى اللهُ عليهِ وعلى كلِّ رسولٍ أرسلَه.

أما بعد عبادَ اللهِ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ ونفسِيَ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العظيمِ.

 

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِّ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا} اللّهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: {يا أيُّها الناسُ اتَّقوا رَبَّكم إنَّ زلزَلَةَ الساعَةِ شَىءٌ عَظِيمٌ يومَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملَها وَتَرَى الناسَ سُكارَى ومَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عذابَ اللهِ شَديدٌ}، اللّهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فبجاه محمّد استجبْ لنا دعاءَنا، اللهم بجاه محمّد اغفرِ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّهُمَّ بجاه محمّد اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ، اللّهُمَّ بجاه محمّد استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ.

عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون.

 

اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.